مؤلف هذا الكتاب هو الباحث المغربي كمال عبداللطيف، الذي صدرت له مجموعة من الكتابات والدراسات الفكرية في دور نشر عربية ومغربية من بينها: «مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر» عن دار الطليعة في بيروت عام 1992، و«العرب والحداثة السياسية» عن نفس الدار عام 1997، و«المغرب وأزمة الخليج» عن دار الكنوز الأدبية ببيروت عام 1997، و«في تشريح أصول الاستبداد، قراءة في نظام الآداب السلطانية» عن دار الطليعة عام 1999، وهو الكتاب الذي حصل من خلاله على جائزة المغرب للكتاب لعام 1999.

ومن كتبه الأخيرة نذكر: «أسئلة الفكر الفلسفي بالمغرب» عام 2003، و له كتابان قيد الطبع هما: «أسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات» و«العرب في مواجهة حرب الصور».

يمتلك موضوع علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل حساسيات معقدة ومركبة، ولأنه موضوع صراع قديم داخل المجتمعات البشرية، فقد استعملت آلياته في الصراع كثيراً من أصناف الأسلحة والأقنعة، التي تم ويتم فيها توظيف مختلف صور الذكاء الإنساني (ذكاء الرجال وذكاء النساء)، بهدف تكريس مواقف ومواقع محددة في التراتب الجنسي والاجتماعي، كما تمت ولا تزال كثير من صور التواطؤ والتناور وتبادل المواقع الرمزية، رغم سيادة مواقع بعينها.

ولأن الرجال استأثروا بالمواقع لزمن طويل في التاريخ، فقد نتج عن ذلك كثير من صور الحيف والإقصاء ومظاهر العنف الظاهر والمبطن، حيث لم يتم إدراك أبعاد هذه العلاقات الاجتماعية، والتفكير في تكافؤ العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، إلا في القرنين الماضيين مع الثورة العلمية وميلاد المجتمع الصناعي وتطور الإنتاج الرأسمالي.

فإذا كانت المرأة الغربية قد قطعت أشواطاً في مسلسل المساواة مع الرجل، فإن واقع المرأة العربية ما زال يطرح أكثر من سؤال، خصوصاً وأن الكثير من صور العنف والإقصاء بمختلف أوجهه مازالت مستمرة، على الرغم من التحولات التي عرفتها بعض المجتمعات العربية، لأنها تحولات سطحية لم تمس عمق التفكير والفكر في العالم العربي، وهذا ما يشرحه، بشكل مفصل ودقيق، كتاب «صورة المرأة في الفكر العربي:

نحو توسيع قيم التحرر» الصادر حديثاً ضمن «منشورات زاوية» للكاتب كمال عبداللطيف، الموزع إلى بحثين متكاملين أنجزهما الكاتب في صورة أوراق خلفية - كما جاء في تقديم الكتاب ـ لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 2005 في موضوع «نهضة المرأة العربية»، سلط من خلالها عبداللطيف الضوء على صورة المرأة في الفكر العربي، ورصد مظاهر الصراع والتحول في قضية المرأة في العالم العربي على المستويين الفكري والسياسي،

وذلك بهدف معاينة ونقد ديناميات التغير الجارية، في علاقتها المعقدة بواقع المجتمع العربي وواقع الصراعات الجارية في العالم اليوم، وتركيب إشكالية تحرر النساء في العالم العربي بطابعها التاريخي والاجتماعي. ولهذا فإن الكاتب يقول إنه يتوخى من نشر هذا الكتاب «المساهمة في تعميق النقاش الدائر في موضوع كونية التحرر النسائي في عالمنا وفي العالم.

ونحن لا نشك في أن مستقبل توازن المجموعات البشرية داخل مجتمعاتها، يقتضي مزيداً من الوعي بأهمية المساواة داخل النوع الاجتماعي ، كما أن ترسيخ الحداثة السياسية في مجتمعاتنا مرهون بكسر القيود التي تعوق نصف مجتمعنا من الإبداع والمشاركة في التنمية».

ففي المبحث الأول من الكتاب المعنون بـ «قضايا المرأة في الفكر العربي» يستعرض الكاتب صورة المرأة في عينة من أدبيات الفكر الإصلاحي، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ويقسمها إلى ثلاث لحظات:

1 ـ لحظة إدراك الفارق في أهمية التربية والتعليم، ويمثل لها بنصوص كل من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي.

2 ـ لحظة وعي التحول والتغير، ويمثل لها بنصوص قاسم أمين والظاهر الحداد وسلامة موسى ولطفي السيد.

3 ـ لحظة وعي المأسسة أو نحو ثقافة إجرائية، وهي اللحظة التي استعرض فيها الكاتب جملة من المواقف والبيانات الكاشفة عن نوعية التحول الذي عرفه خطاب تحرر النساء وتقدم المجتمع.

وبعد ذلك يخلص الكاتب في هذا المبحث الأول، إلى أنه رغم التقدم الذي حققته الخطابات الإصلاحية الحداثية حول المرأة، فإن هناك نوعاً من النكوص وعودة الأفكار التقليدية والرؤى المحافظة في موضوع دور المرأة وصورتها في المجتمع.

حيث يقول عبداللطيف «إن استمرار هذه العودات والممانعات الرامية إلى توظيف التقاليد في مواجهة إشكالية مجتمعنا، وذلك بحجب النساء مرة أخرى عن المجتمع، وعزلهن داخل البيوت، يعني أساساً استمرار تقصير مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية، وتنظيمات مجتمعنا المدنية، رغم تكاثرها في ترسيخ قيم المعرفة العصرية وقيم الإصلاح السياسي، القاضي بتعميم مجالات الحرية وتداول السلطة، بهدف محاصرة قيم المحافظة، التي لا تلتفت إلى متغيرات التاريخ ولا تدرك مزاياها، في تطوير نظر الإنسان لذاته ومجتمعه وتاريخه».

أما المبحث الثاني المعنون بـ «نهوض المرأة العربية وسؤال الداخل والخارج»، فقد قام فيه الكاتب بتشخيص إشكالية الداخل والخارج في موضوع النهوض بالمرأة العربية، مرتكزاً على مفهوم المرآة كأداة للفهم وتوظيف الإيحاءات والدلالات التي تتيحها مفردات الانعكاس والانكسار، حيث قسم المبحث إلى ثلاثة محاور: الآخر في مرآة الذات أو في البحث عن صورة أخرى للمرأة، والذات في مرآة الآخر أو المساهمة العربية في بناء أسئلة التحرر النسائي، ثم من الانبهار إلى وعي الذات أو نحو توسيع قيم كونية التحرر.

ويخلص الكاتب إلى أن البحث عن صورة أخرى للمرأة في المجتمعات العربية لا يمكن أن ينتهي ما دام هناك حيف اجتماعي يقصي النساء والفتيات من الاندماج في أفعال المشاركة والإنتاج والإبداع داخل المجتمع، مثلما أن بحث النساء في العالم الأوروبي عن نساء أخريات في عوالم واقعية أو متخيلة يعكس تعدد الأنماط والصور،

كما يعبر في بعض جوانبه عن الطموحات والآمال الجديدة في بناء مجتمعات أفضل. وانطلاقاً من الواقع المغربي وما عرفه من مشكلات بسبب مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة، التي لقيت معارضة قوية من الحركات الإسلامية، والتي لم تنته إلا بتدخل الملك محمد السادس من أجل تعديل مدونة الأسرة، وهو ما يدل على هشاشة المشهد السياسي المغربي، وعلى كون معركة تحرير المرأة في المغرب لا تزال مفتوحة على ممكنات لا حصر لها.

كما يخلص إلى أن نعت الحركات النسائية العربية «بالحركات المتعولمة، ووصفها بالحركات الذيلية التابعة، لا يستوعب المنحى الإيجابي والتاريخي لهذه الحركات، ولا ينتبه إلى الطابع النقدي والروح الكونية الثاوية وراء خطاباتها ومشاريعها في العمل. لهذا السبب يصبح الصراع مضاعفاً ومركباً بحكم أنه يستند إلى سجلين معرفيين متناقضين، سجل مسجون في لغة الماضي المنمط والمندمج بصورة لا تاريخية، وسجل المستقبل المفتوح على إعادة بناء الذات في ضوء مكاسب الأزمنة المعاصرة.

وبين السجلين مسافة نظرية وتاريخية لا يمكن أن تتقلص أو تختفي إلا بالعمل الشامل والمتواصل، من أجل مجتمعات أكثر تكافؤاً وأكثر عدلاً، وهو أمر يندرج ضمن أفق في الإصلاح، تعد المسألة النسائية فيه محوراً من المحاور المركزية بحكم الموقع الذي تحتله داخل المجتمع، وبناءً على الحساسيات السياسية التي يفترض أنه سيولدها في التاريخ، في موضوع العلاقة بين الرجال والنساء وما يرتبط بها من إشكالات لا حصر لها».

سعيدة شريف

*الكتاب: صورة المرأة في الفكر العربي ـ نحو توسيع قيم التحرر

*الناشر: منشورات زاوية - الرباط 2006

*الصفحات: 128 صفحة من القطع المتوسط