البيرتو مانغيل، من مواليد الأرجنتين عام 1948، يحمل الجنسية الكندية ويقيم لفترات طويلة في فرنسا. نال شهرة كبيرة بعد أن أصدر في عام 1996 كتابه «تاريخ القراءة» الذي تمّت ترجمته إلى عدة لغات. ومن كتبه أيضا «قاموس الأمكنة الخيالية». في هذا الكتاب الجديد «يوميات قارئ» يتعرض البيرتو مانغيل لموضوع «هواه» التاريخي،

أي الكتب والمكتبات عامة وقصة مكتبته الشخصية خاصة والتي كانت المؤلّفات التي تحويها موضوعة في «صناديق كرتونية» لفترات طويلة من الزمن في الأرجنتين أولا، بلد مولده، ثم في كندا، التي اختار أن يكون أحد مواطنيها، ثم في إحدى القرى الفرنسية الصغيرة حيث أخرجها من «سجونها» كي تحيط به و«تحميه» من كل جانب.

ولا يتردد «مانغيل» في القول: «مكتبتي، هي أنا»، وذلك على غرار الروائي الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير صاحب الرواية الشهيرة «مدام بوفاري»، عندما قال: «مدام بوفاري، هي أنا». ويرى مانغيل أن مكتبة أي شخص تقدم «صورة فكرية وعاطفية عنه».

ويتحدث مؤلف هذا الكتاب في العديد من الصفحات عن مكتبة «مدرسته» عندما كان في المدرسة الثانوية وحيث كانت «اكتشافاته المهمة الأولى» في عالم الكتب، ولكن أيضا في عالم السياسة حيث كانت المدرسة آنذاك في صميم النشاط السياسي بالأرجنتين. أمّا عن حبّه للكتب فإنه يعيده إلى سنوات طفولته حيث كان يرافق أسرته حيثما يتم تعيين والده سفيراً للأرجنتين. ولم يكن المحيطون به يبخلون عليه في اصطحابه إلى المكتبات وحيث أصبح وهو في سن الخامسة تقريبا «مالكا» لعدد من قصص الأطفال.

ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أهمية الفترة التي عاشتها الأرجنتين قبل وصول الحكم الدكتاتوري العسكري حيث ساد جو من التفتح الثقافي وكانت دور النشر تقدم لقرائها كل أنواع الكتب ويشير في هذا السياق إلى الدور الكبير الذي لعبته دار «المطبوعات الجامعية لبوينس آيرس» التي نشرت العديد من السلاسل مثل سلسلة «زدني علما» الفرنسية الشهيرة - قامت بعض دور النشر العربية بترجمة بعض أعمالها المؤلفة من 127 صفحة إلى اللغة العربية في نفس الفترة- كذلك نشرت الأعمال الأدبية الأرجنتينية الكلاسيكية.

وإلى جانب عملية النشر جرى الحرص على أن يكون سعر الكتاب زهيدا بحيث يمكن للجميع الحصول عليه. وكان من القرارات الحكومية ذات البعد الثقافي الكبير آنذاك إنشاء مكتبة في كل مدرسة ثانوية. لكن مثل تلك الاندفاعة توقفت تماما مع وصول الدكتاتورية العسكرية إلى السلطة بل جرى نزع جميع الرفوف من المكتبات لدرء «خطر القراءة».

ويبيّن المؤلف من خلال القراءات الكثيرة التي يعتمد عليها كيف أن أميركا الجنوبية عامة لم تكن بعيدة في أي يوم من الأيام «ثقافيا» عن القارة الأوروبية. وكان هو شخصيا قريبا من هذه «القارة القديمة» بحكم أن واقع أصوله الأسرية تعود من ناحية والدته إلى روسيا ومن ناحية والده إلى النمسا.

وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى نوع من «الاستلاب» الذي عاشته أجيال من أبناء بلدان جنوب أميركا الجنوبية، وأميركا اللاتينية عامة، ذلك أنه جرى إهمال كبير للثقافات المحلية بحيث أصبحت الثقافة الأوروبية هي «ثقافة النخبة» التي كانت «تتباهى» بانتمائها إلى ثقافة «العالم المتحضر»، بل وأصبحت باريس أو فيينا أو لندن لا تقل أهمية على الصعيد الثقافي من بيونس آيرس، هذا إذا لم تكن أكثر أهمية. وكان «نجوم الأدب والفكر» الأوروبيين بمثابة «أعلام» حتى في الأحياء الصغيرة الأرجنتينية.

إن القراءة تتطلب بالضرورة وجود مكتبة. وإنشاء مثل هذه المكتبة، إذا أريد لها أن تكون كاملة إلى هذا الحد أو ذاك، يتطلب وجود مجال - مكان- لا يمكنه أن يكون كافيا مهما كان واسعا. وبالتالي لا بد من اللجوء إلى نوع من «الانتقائية»، في اختيار الكتب. ثم لا يمكن لأي «نظام» في الجمع والترتيب أن يشكل المكتبة بكل تنوعها.

ومثل هذا العمل ضروري جدا، لاسيما انه «بدون مكتبة، ليس هناك مجتمع» كما يؤكد المؤلف ثم يشير إلى أنهم يقولون في أميركا عند وفاة أي رجل عجوز أن «مكتبة قد احترقت». لكن الزمن قد تغيّر، ولم تعد المكتبة هي «حجر الرحى» في المجتمعات الحديثة وإنما بالأحرى «المصارف» و«البورصات». والفارق كبير ونوعي بين الحالتين، إذ أن المكتبة تحتفظ على رفوفها بـ «ذاكرة الأمة» مدوّنة في الكتب، بينما لا تحتوي البنوك على أي شيء سوى «الأرقام على شاشات الحواسيب»،

وبالطبع ربما إلى جانب الأوراق المالية. ثم إن ثقة الناس تتجه نحو الأوراق المالية وليس نحو الكتب ذات «المضامين المجرّدة»، مع أنه يمكن لكتاب أن يغيّر مجرى حياة الإنسان أكثر مما يمكن أن تغيره ورقة مالية.

ويرى المؤلف أن لـ «القراءة» جانب «محافظ» بالطبيعة تبعا للمرحلة التي يمر بها الإنسان من العمر. وهذا ما يعبّر عنه بالقول أنه «يعيد قراءة» ما كان قد قرأه «عندما كان شابا» وذلك أكثر مما يقرأ من أعمال جديدة، إذ كان في الماضي أكثر «فضولا» للتعرف على آخر الإصدارات. مثل هذا الفضول قد خفّ اليوم، ثمّ إن صناعة الكتاب أخرجت ما يسميه المؤلّف بـ «الكتاب المزيّف» المكرّس لـ «الاستهلاك»، خلال أسبوع واحد. وينبّه في هذا السياق إلى أن جمهور القرّاء لا يدركون خطورة الوضع الذي أصبح فيه نشاط إنساني أساسي هو «القراءة» منتوجا كغيره في السوق.

في هذا الكتاب يقدم الكاتب الأرجنتيني ـ الكندي انطباعاته عن الحياة اليومية وخاصة عن الكتب التي قرأها، وأيضا وخاصة عن «التواطؤ» الجميل القائم بين الكاتب والقارئ وعن «الحوار» الذي يتمّ في ظل المتعة التي تخلقها القراءة وتدفعنا إلى تجاوز كل شيء وحتى أنفسنا.

هذا لاسيما وأنه يرى أن القارئ «لا ينتمي إلى أية بلاد». ويجد مرجعيته بذلك لدى الفيلسوف القديم «سينيك» الذي كان يقول لزائريه وهو يشير إلى مكتبته بأنه من حق الإنسان أن يختار أجداده حسب هواه بين هوميروس أو سوفوكليس أو أفلاطون أو سقراط أو غيرهم فـ «البلاد الحقيقية للقارئ هي بلاد المبدعين الذين يقرأ أعمالهم». هكذا لا يتردد البيرتو مانغيل في القول أن مارسيل بورست الروائي الفرنسي الشهير هو أحد أفراد أسرته. هكذا أيضا تصبح القراءة هي أفضل وسيلة لنقلنا إلى حيث نريد وحيث يمكننا أن نكون سعداء.

بهذا المعنى يمكن للقراءة أن تنقذ الإنسان ويؤكد مانغيل أن القراءة، أكثر من السياسة والاقتصاد والعقائد هي التي تجلعنا نتلمّس «جذور» الأشياء، وتسمح لنا أن نكتشف بلدانا لم تطأها أقدامنا. ويرى أن مثل هذا الاكتشاف، اكتشاف ما لا تعرف، يمثّل صميم المتعة التي تخلقها القراءة.

ويقدم المؤلف في «يوميات قارئ» تعليقاته على الكتب ـ الأمهات التي يقرأها كل عام بواقع عمل كل شهر. ولكنه يقدم في الواقع بـ «فتح نافذة» على ما يجري في دماغه وأعماقه وهو يقرأ، وذلك كي يبيّن في نهاية المطاف أن القراءة ليست لحظة مغلقة على ذاتها، وأن القارئ ليس وحيدا مع أنه قد يكون وحده، فلحظة القراءة تتضمن في جوهرها الانفتاح على العالم، وهي لحظة تجمع بين الخاص والعام عبر «مجال الحريّة» الذي تخلقه.

ويدفع المؤلّف مفهوم «حرية» القراءة إلى درجة يطالب فيها بضرورة أن يحافظ القارئ على ترك نفسه عرضة لـ «إغراء» عنوان ولـ «جذب» غلاف والانتقال من نصّ إلى آخر. فـ «القراءة هي ممارية الحرية»، ولكن لها بنفس الوقت «مستلزماتها»، وفي مقدمتها ترك العمل نفسه «ينفتح على العالم». هكذا يمكن لكتابات «شاتوبريان» مثلا، الذي عاش في القرن الثامن عشر، أن تتوجه إلى كل إنسان في القرن الحادي والعشرين.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه ليست هناك أية «قواعد» للقراءة. وليس هناك قراءة جيدة وقراءة سيئة. فلكل قارئ «طريقته الأفضل للقراءة». وهناك نوع من العلاقة «الخفية» بين القارئ والكتاب، إذ ومثلما قد يستهوينا شخص ما بين مجموعة من البشر إثر نظرة أو طريقة لباس أو طريقة الضحك أو أي شيء آخر، قد يستهوينا كتاب ما أيضا داخل مكتبة تحتوي عشرات الكتب الأخرى. كذلك يمكن للكتب المصفوفة في مكتبة أي شخص أن تقدم مؤشرات بليغة عن شخصيته. و«المكتبة هي انعكاس لطريقة التفكير. إنها صورة ذاتية لصاحبها».

* الكتاب: يوميات قارئ

* الناشر: كانوغيت بوك ـ لندن 2006

* الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط

A reading diary

Alberto Manguel

Canogate Books

London 2006

P.272