من حين لآخر يساء استعمال مفردة ثقافة ويتم إلصاقها بالفنون الكتابية، حتى بات الاعتقاد أن الثقافة يعني المنتج الكتابي والمثقف هو قارئ الكتب.
وتكرس هذا المفهوم طيلة سنوات عبر الصحافة العربية حتى بات أسيراً لفكرة المثقف هو الشخص الفائض عن الحاجة، ومع مضي وقت طويل من ذلك الفهم صار المثقف شخصاً غير مرغوب فيه على المستويين السلطوي والشعبوي، فالسلطة تعرف من هو المثقف فتقصيه، والعامة لا يعرفونه فينبذونه، لأن الإنسان عدو ما يجهل.
ولطالما كرست الصحف فهماً ثقافياً ضبابياً في إحدى صفحاتها التي تقتصر على نشر الشعر والقصة والمقابلات والمقالات النقدية متجاهلة الفهم الواسع للثقافة كأسلوب عيش وآلية إنتاج لأي مجتمع، فالمسرح حولته الصحف العربية إلى منوعات ووضعته إلى جوار الفيديو كليب، وكذلك فعلت بالفن المعماري والتراثي والأزياء الشعبية والأغنيات الفلكلورية وكأن أحدا ما لديه رغبة أكيدة في تقليل شأن الثقافة أو للإساءة إلى مفرداتها العامة.
إن عدم فهم دور الثقافة في المجتمع سببه غياب الموضوعية لدى الذين يؤسسون للإعلام أو الذين يروجون له كبنية بديلة للمعرفة، ولكأن الجهود (مقصودة ـ أو غير مقصودة) تتضافر لاستبدال الثقافة بالمعلومات، وهذا ما يحدث اليوم في عصر الانترنيت، ولكنه حدث من قبل عندما حجبت بعض مفردات الثقافة وتم التعامل معها كمنتج ثانوي غير مهم فاستبذلت إلى درجة «بوس الواوا».
طيلة عقود كرست مؤسسات رسمية عملها لخدمة الثقافة بمفهومها الأدبي ولم تنظر إلى الجانب المضيء للثقافة فحجبته لعدم قناعتها به، إذ إن كثيراً من تلك المؤسسات لا ترى في الأغنية ثقافة ولا في اللوحة أو المنحوتة، ولأسباب غير موضوعية قدمت الفنون الأدبية على جميع المنتج الثقافي وأعطتها أهمية زادت إلى درجة أنست الناس مفردات الثقافة الأخرى، وصار المثقف محاضراً أو مستمعاً في مجلس ثقافي.
مع استمرار حجب الثقافة طيلة هذه المدة تراجع الدور الثقافي في تنوير المجتمع باعتبار أن المثقف وما يقدمه فائض عن الحاجة، وتراجع دور المؤسسة الثقافية في نشر الوعي بين الناس، بل تجاوزه إلى تكريس ما هو سائد من قيم لا تمت إلى الثقافة بصلة، ويمكن القول بجرأة إنها ساهمت في إدخال المجتمع إلى نفق مظلم يحتاج الخروج منه إلى عقود أطول.