على امتداد وقت طويل، ظلت ظاهرة التدفق الكبير للإبداع الروائي على أيدي كتاب من شبه القارة، يكتبون بالانجليزية ليقدموا للدنيا عطاء هادراً من الخيال الشرقي، الذي يضرب جذوره في ثقافات امتدت عبر ألوف السنين، تحير الكثيرين على امتداد العالم، وعلى الرغم من تعدد محاولات التصدي لهذه الظاهرة واكتشاف أسرارها، إلا أن المسألة برمتها لا تزال لغزاً مغلقاً، فيما تواصل صناعة النشر على ساحلي الأطلسي متابعة هذه الظاهرة، وتساهم في تعميق جذورها بعقود نشر مع هؤلاء الكتاب تنتمي بامتياز إلى عالم الأرقام القياسية في صناعة النشر في الغرب.

وقد وضع بعض النقاد يدهم على نقاط محددة في أسرار هذه الظاهرة، فهم يبادرون إلى الإشارة إلى أن هؤلاء الأدباء من أبناء شبه القارة الهندية وبناتها لم يتسلحوا فقط بالخيال الشرقي العتيد، وإنما تسلحوا بكل الأسلحة التي تتيح لهم اقتحام غابة النشر الغربية.

أبرز هذه الأسلحة يتعلق، بالطبع، بالكتابة كمهنة، فهؤلاء المبدعون هم في غالبيتهم الكاسحة من خريجي جامعات النخبة في الغرب، ومعظمهم أنفق أوقاتاً لا يستهان بها في الدراسة المنتظمة للكتابة الإبداعية، وقضى سنوات في عملية الكتابة الصعبة والمؤرقة والتنافسية بلا حدود والتي لا تعرف المجاملة ولا الرحمة في أحكامها.

وإلى جوار ذلك، فإن الكثيرين من هؤلاء الكتاب أيضاً جابوا آفاق بلادهم، وبصفة خاصة المناطق الريفية، وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن، وعاشوا حياة صعبة، عرفوا في غمارها الناس الصغار والتفاصيل الدقيقة ومتاعب الحياة اليومية في الشرق الآسيوي المغمور بالعرق والمكسو بالتراب والراحل عميقاً في الدم.

هذا هو بالضبط، ما نجده في حالة وجه جديد من وجوه هذه الفئة من الكتاب، هو وجه الروائية البنغلاديشية تحميمة أنام، التي لم تتردد صحيفة «أوبزرفر» اللندنية في وصفها بأنها «مونيكا علي جديدة».

وقد أجرت مجلة «بوكسيلرز» الإلكترونية هذه المقابلة مع الروائية البنغلاديشية بمناسبة صدور روايتها الأولى «عصر ذهبي» عن دار جون موراي اللندنية، وتعاقدها على إصدار روايتها الثانية «شهر الصيام»، حيث ألقت الضوء على طبيعة الرواية كما تكتبها وما تطمح إلى تقديمه من خلالها، مشيرة إلى أن الساحة التي تدور عليها أحداث رواياتها لا تسمح بترف عدم حدوث شيء إلا انهمار المطر مع هبوب الرياح الموسمية، لان هذه الرواية تدور حول الناس في غمرة أصعب صراعاتهم، وبالتالي فهي مليئة بالأحداث والتطورات والمشاعر والتفاصيل الدقيقة، على الرغم من أنها في جوهرها تحكي قصصاً كبرى.

وفيما يلي نص المقابلة:

كانت رواية تحميمة أنام الأولى لاتزال رهن الإصدار، عندما بادرت صحيفة «الأوبزرفر» اللندنية إلى الإشادة بها باعتبارها «مونيكا علي جديدة».

وهذه المقارنة حتمية، لأنه شأن رواية مونيكا على التي تحمل عنوان «بريك لين»، فإن رواية أنام المقيمة في لندن بدورها هي ملحمة عائلية عن المجتمع البنغلاديشي، ولكن الفارق هو أن أنام قد جعلت روايتها تدور أحداثها في بنغلاديش نفسها، وهي تنتزع وسط فيض من الدماء استقلالها من باكستان في 1971.

يتمتع صوت تحميمة أنام بلمسة أميركية نشطة، التقطتها فيما هي تمضي مع أبيها في مختلف أرجاء العالم، عندما كان دبلوماسياً في الأمم المتحدة، ولكن جذورها تمتد على نحو راسخ في بنغلاديش، وقد كان جدها واحداً من أكبر الكتاب السياسيين الساخرين شهرة في بنغلاديش، ويقوم أبوها الآن بإدارة أكبر صحيفة تصدر بالانجليزية في البلاد، وتشرف أمها على منظمة لحقوق الإنسان والإغاثة.

لكي تقوم أنام بالأبحاث الضرورية لكتابة روايتها سافرت في مختلف أرجاء بنغلاديش طويلاً، وأصغت إلى شهادات عن حرب استقلال بلادها من المقاتلين الذين خاضوا غمار هذه الحرب ومن الضباط الذين خططوا لها ومن الطلاب الذين تحمسوا لخوضها.

وتحكي جدة تحميمة أنام عن اليوم الذي جاء فيه جنود من الجيش الباكستاني إلى دار عائلتها، فرفضت أن يأخذوا ابنها الأصغر، وهكذا ولدت قصة الأم الكبرى

ريحانة، التي تفقد حضانة ابنيها بعد موت زوجها. ويشدِّد ذنبها والخطوات التي اتخذتها لاستعادة ابنيها على القصة التي تأخذ بجماع القلب، والتي تتابع نضال ريحانة لانتزاع ابنيها من خضم الحرب، عندما يلتحقان بحركة المقاومة.

وتقول أنام: «لقد أردت أن أحكي قصة كبرى من وجهة نظر شخصية للغاية. والكثير من الحكايات التي سمعتها لم تكن تدور حول جبهة القتال، وإنما كانت تدور حول الوقوع في الحب وكيف تحولت الأدوار التي يقوم بها الناس في زمن الحرب».

حبكة رواية أنام تتوالى فيها الأحداث، وكأنها في سباق بعضها مع البعض الآخر، مقارنة مع الروايات العائلية الكبرى النابعة من جنوب آسيا، وتقول الروائية البنغلاديشية في هذا الصدد: «ليس بمقدوري حقاً التواصل مع الروايات التي لا يحدث فيها شيء. وبسبب الساحة التي تدور عليها أحداث روايتي فإنها تقاوم التفاصيل التي لا تنتهي حول أصائل هبوب الرياح الموسمية وسقوط المطر».

تقف تحميمة أنام موقفاً متحيزاً، على نحو لا تخجل منه، حيث يتم تصوير الجيش الباكستاني باعتباره قوة وحشية مولعة بالاغتصاب، بينما يتم تصوير حركة المقاومة البنغلاديشية على أنها حركة نبيلة، حتى وإن كانت حركة فوضوية ومضطربة.

وهي تقر عن طواعية بأن لها نصيباً عاطفياً في التاريخ الذي ترويه. وتقول في هذا الصدد: «في بنغلاديش، ينكر الكثيرون القتل الوحشي بسبب قناعتهم السياسية، والذين انحازوا إلى باكستان يشغلون مناصب السلطة الآن في بنغلاديش.

وهناك الكثير من النسيان الطوعي. وليست هناك كتب عن هذا الوقت باللغة الانجليزية، ولذا فقد أردت تأليف كتاب يقول بصيغة التأكيد إن «هذا قد حدث على الأرض الواقع».

ولكن على الرغم من الفظائع التي جرت في زمن الحرب، فإن قصة أنام تعطي على نحو مدهش إحساسا بالتفاؤل، وهي تبتهج حيال صمود شخصياتها وقدرتها على التأقلم، ومن هنا يجيء العنوان الذي اختارته للرواية، وهو «عصر ذهبي».

وهي تقول في هذا الصدد: «عندما تفكر في بنغلاديش الآن فإن ذهنك يتصرف إلى التفكير في الإسلام وإلى ملامح محددة في الحياة الاجتماعية، مثل قيام العائلات بترتيب الزوج، ولكن في ذلك الوقت كان هناك الكثير من الاحتمالات المشرعة على كل الأبواب بالنسبة للبلاد.

وكان أهلها يفكرون في أنهم يعيدون تشكيل العالم وصياغته من جديد في صورة مختلفة تمام الاختلاف عما سبق».

تخضب الحمرة وجنتي تحميمة أنام لدى حديثها عن وصف صحيفة «الأوبزرفر» اللندنية لها بأنها «مونيكا علي جديدة». وهي تقول في هذا الصدد: «لقد فتحت المجال لأناس مثلي، وضعت بنغلاديش على الخارطة، وبرهنت للناشرين على أن هذه الكتب يمكن أن تباع بصورة جيدة للغاية».

محطات في حياة أنام

* ولدت الكاتبة البنغالية تحميمة أنام في العاصمة دكا عام 1975 ونشأت في باريس ونيويورك وبانكوك، وحصلت على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجي من جامعة هارفارد وعلى الماجستير في الكتابة الإبداعية من رويال هولواي في لندن.

* صدرت لها روايتها الأولى «عصر ذهبي» وتعاقدت على إصدار روايتها الثانية «شهر الصيام» وحصلت على زمالة الكتاب من مجلس الفنون والآداب في لندن.

* نشرت أعمالها في عدد من المجلات الأدبية العالمية أبرزها مجلة «غرانتا».