لم يكن من قبيل الصدفة أن يستهل الكاتبان فانيسا ثورب وماهتاب حيدر نقدهما لرواية «عصر ذهبي» للكاتبة البنغلاديشية تحميمة أنام بالقول: «إن الكتابة العظيمة ربما تسري مع الدم في العروق ولكن توفر مقعد أمام نافذة تطل على أحداث تاريخية مميزة يمكنه أن يساعد في تشكيل الكاتب أيضاً».
الواقع أن الكتابة تسري مع الدم في عروق أنام، ويكفي أن نتذكر أنها تنحدر من عائلة كانت الكتابة بالنسبة لها قدراً وعشقاً ومهنة في آن.وتفصح أنام عن موهبة جديدة مميزة، تضاف إليها ميزة الانحدار من عائلة حفلت بالكتابة والمفكرين، لكن ما يطلقها إلى سماء الشهرة اليوم في بريطانيا هو أنها تكتب عن التجربة المريرة التي اشتركت عائلتها فيها مع الألوف ممن كانوا يحيطون بها في مرحلة شائكة من تاريخ بلادها.
أنام التي تبلغ من العمر الآن 31 عاماً تقيم في لندن لكنها ولدت في بنغلاديش، وروايتها الأولى ترسم ملامح التأثير الشخصي الذي نجم عن الطوفان العنيف الذي قسم قارة ودق إسفيناً بين أقارب في السبعينات من القرن الماضي. وقد لقيت رواية «عصر ذهبي» ترحيباً واسع النطاق باعتبارها عملاً منافساً لرواية «بريك لين» التي أبدعتها مونيكا علي ورواية «أسنان بيضاء» لزادي سميث.
ولكن خلافاً لهاتين الروايتين اللتين حصدتا العديد من الجوائز، فإن تحميمة أنام تقول إن قصتها ليست ملحمة عن حياة المهاجرين إلى بريطانيا، وإنما هي تعود على صفحاتها إلى فظائع الحرب في بلادها، التي كانت تعرف في السابق باسم باكستان الشرقية. وهي تقول: «في طفولتي حُكيت لي قصص قصيرة عن الحرب كانت كلها مثيرة للاهتمام».
والد تحميمة أنام هو محفوظ أنام رئيس تحرير «ديلي ستار» أكبر صحيفة تصدر باللغة الانجليزية في بنغلاديش، وكان جدها عبدالمنصور أحمد شخصية سياسية بارزة في باكستان الشرقية وكاتباً ساخراً لا تزال كتاباته تحظى حتى اليوم بإعجاب جمهور واسع النطاق.
وتقيم تحميمة أنام اليوم في وست همبستيد بلندن على بعد خمسة آلاف ميل من أبويها. ولكنها الآن بإرشاد من أندرو موشون أمير شعراء انجلترا وبإلهام من كتاب ينتمون إلى جنوبي آسيا مثل أرونداتي روي وفيكرام سميث تشرع موهبتها في التألق أمام أنظار العالم. وقصة الفقدان الشخصي التي ترويها في «عصر ذهبي» تستمد إلهامها كذلك من ذكريات أمها. وهي تقول في هذا الصدد: «كان أبي وأمي متورطين في هذه المرحلة. كان جيلهما بكامله متورطاً فيها».
وتقول أمها، شاهين أنام: «غالباً ما كان المقاتلون من أجل الحرية يحظون بكرم وفادتنا تحت جنح الليل أو يدفنون أسلحتهم في فناء دارنا. وذات ليلة أقبل جنود الجيش الباكستاني إلى الدار مصطحبين أحد المقاتلين الشبان والذي كانوا عذبوه بوحشية حتى أفضى إليهم بمكان تخزين الأسلحة.
وأرادوا اصطحاب أخي الأصغر معهم والذي كان في الثانية عشرة من عمره في ذلك الوقت. وأعتقد أن هذه القصص أثرت تأثيراً كبيراً في نفس تحميمة». وقد تلقت أنام التعليم والتشجيع من موشون عندما حصلت على مكان للدراسة كطالبة للكتابة الإبداعية في الجامعة التي يدرس بها في لندن. وهي تقول: «أتذكر أنه في الأسبوع الأول من المساق أبلغني بقوله إنني: (لا ينبغي أن أكون مثقلة على هذا النحو بالالتزام بالواجب) وقد التصقت هذه العبارة بذاكرتي.
حيث كنت أشعر بأنني يتعين على أكون صادقة وأن أقول الحقيقة دوماً، وقد حررني سماع هذه الكلمات وهي تصدر عنه بشكل من الأشكال». وقد رصدت دار نشر جون موراي موهبة أنام عندما صادف محرروها قطعة أدبية لها في كتاب مختارات يضم أعمالاً لخريج المساق الإبداعي الذي يشرف عليه موشون. وهكذا حصلت على منحة من مجلس الآداب والفنون، ونشر مقتطف مطول من روايتها في مجلة «جرانتا» الأدبية مما ساعد على إلقاء الضوء بشكل أكبر على موهبتها.
وبادرت دار اجون موراي إلى التعاقد معها على إصدار روايتها الأولى هذه، على حين احتدم التنافس بين عدد من دور النشر اللندنية الكبرى على إصدار روايتها الثانية «يوم الصيام» التي تعاقدت على إصدارها بالفعل، في إطار اهتمام هذه الدور بأعمال مجموعة محدودة من الكتاب الشبان كانت من بيتهم إلى جوار أنام الكاتبة بيلندا ستاليج التي تدور روايتها «الالتزام» في الستينات من القرن التاسع عشر.
ويحرص الكثير من النقاد في لندن في معرض إلقائهم الضوء على موهبة أنام على الإشارة إلى أن شخصية البطلة في روايتها «عصر ذهبي» وهي ريحانة الحق، تردد أصداء شخصية الأم الكبيرة في عدد من روايات كتاب الواقعية السحرية، وفي مقدمتهم غابرييل غارسيا ماركيز.
غير أن الأم هنا أقرب إلى الواقع المعيش منها إلى غيوم الواقعية السحرية، فنحن نراها، على سبيل المثال، وهي تستيقظ في صبيحة أحد أيام شهر مارس شاعرة بأنها ربما يمكن مسامحتها لشعورها بالسعادة، فهي سوف تقيم حفلاً لابنها وابنتها، وفي حديقة الدار التي شيدتها تتفتح ورودها، وأبناؤها كبروا على وجه التقريب وفيما وراء الدار تضج المدينة بالانفعال بعد الانتخابات التي أجريت مؤخراً، حيث يطرق التغيير الأبواب، ولكن ما من أحد من الضيوف الذين دعتهم ريحانة الحق بمقدوره التنبؤ بما سيحدث في الأيام والشهور المقبلة.
هذه الاستحالة طبيعية ومنطقية تماماً لأن هذه الأحداث تجري في باكستان الشرقية في عام 1971، وهي بلاد كانت قاب قوسين أو أدنى من الحرب في ذلك الوقت، وتوشك حياة هذه العائلة على التغير إلى الأبد. تقع هذه الأحداث على خلفية من حرب الاستقلال في بنغلاديش ومن هنا فإن «عصر ذهبي» هي قصة العاطفة والثورة، قصة الأمل واليقين والبطولة غير المتوقعة.
هنا من حق القارئ أن يتوقف ليطرح سؤالاً محدداً: «ألا يؤدي انحياز الكاتبة ومواقفها الواضحة إلى حدوث انكسار في بنية الرواية بحيث أننا نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام عمل باللونين الأبيض والأسود فقط، وكأننا ننظر إلى العالم بعيني شخص مصاب بعمى الألوان؟
هنا بالضبط سيبرز الجانب المتعلق بالسنوات الطويلة التي أمضتها أنام في الدراسة. لقد حصلت تحميمة أنام على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في علم الانثروبولوجي، وذلك بدراسة اثنوجرافية لحرب الاستقلال في بلادها مع اهتمام خاص بالتشديد على العلاقة بين الفلاحين من المقاتلين من أجل الحرية والشباب المقاتل في المدن في غمار حرب الاستقلال، وهي دراسة أهملت طويلاً في الجغرافيا والتاريخ السياسيين لهذه المرحلة من تطور بنغلاديش.
بهذا المعنى فقد جمعت أنام بين الاستماع إلى القصص والحكايات والذكريات والانطباعات والمشاعر من أفواه الناس الذين «تورطوا» في هذه الحرب من ناحية وبين الدراسة المعمقة لهذا كله مع ربطه بأحدث معطيات علم الانثروبولوجي. ويبدو أن أنام لم تنظر إلى هذا كله على أنه زاد كاف في رحلتها الطويلة إلى الإبداع، ومن هنا تخلت عن العديد من فرص العمل المهمة التي أتيحت لها لتعود إلى مقاعد الدراسة من جديد للحصول على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية من رويال هولواي، حيث درست على يد أندرو موشون، وحظيت بتشجيعه.
أمام المحكمة
«زوجي العزيز، لقد فقدت طفلينا اليوم».
أمام المحكمة، ابتاعت ريحانة طائرتين ورقيتين، إحداهما حمراء والأخرى زرقاء من متجر الأخوين خان للحلوى والسلع الخفيفة. ولفهما الرجل الواقف وراء النضد في ورق بني وباستخدام شريط من الخيش، فدست ريحانة اللفافتين تحت ابطها، ونادت عربة ريكشو. وفيما كانت تدلف إليها شاهدت المحامي يركض نحوها. «السيدة حق. إنني آسف جداً». بدا صوته موحياً بالإخلاص، ولم تستطع ريحانة إجبار نفسها على القول إنه لا بأس.
قال: «لابد أن تجدي بعض المال. فتلك هي الطريقة الوحيدة. احصلي على بعض المال، وعندئذ سنحاول مجدداً، فهؤلاء الأوغاد لا يتحركون إلا بالقليل من التشحيم». المال. دلفت ريحانة إلى الريكشو، وأسدلت الغطاء فوق رأسها. وقالت: «أيها السائق امض إلى شارع رقم5!.
مقتطف من رواية «عصر ذهبي»
* الكتاب: عصر ذهبي
* الناشر: جون موراي ـ لندن 2007
* الصفحات:480 صفحة من القطع المتوسط
Agolden Age
Tahmima Anam
John Murray
London 2006
