تعمل مؤلفة هذا الكتاب أستاذة في جامعة «ايلينوي» الأميركية. سبق لها وأمضت شطرا من حياتها في هولندا حيث قامت بالتدريس في جامعة روتردام. وفي الحالتين قامت بتدريس الاقتصاد والتاريخ، لها العديد من الكتب ومئات المقالات. ومن كتبها: «التاريخ الاقتصادي لبريطانيا» و«المعرفة والإقناع في الاقتصاد».. الخ.
إن المنظومة الاقتصادية الرأسمالية أنتجت مجموعة من الممارسات التي وضعها المعنيّون بها في مصاف «الفضائل»، وهذا ما تريد أن تبحث مؤلفة هذا الكتاب «الفضائل البرجوازية» عن فهم جوهره وآليات عمله. وهي تؤكد أن الحرية الاقتصادية وازدهار الطبقات الوسطى لم يترافقا فقط بما هو سلمي ومتوافق مع القانون ومع ما تطلبه الحكمة والتعقل، وإنما كانت أيضا ذات بعد فني وروحاني ولها جانبها الذي تعود أصوله إلى الثقافات التقليدية، السابقة للعصر الرأسمالي ذاته.
وتبحث المؤلفة في هذا الكتاب أولا عن الأصول «المسيحية» و«اليونانية» القديمة للقيم البرجوازية عامة و«الأميركية» بشكل خاص. وهي تشير إلى أن البرجوازية الأميركية التي بدأت بالظهور في نهاية القرن التاسع عشر قامت منذ البداية بتنظيم وتأسيس أشكال مختلفة من التمييز ولم تتردد في «التآمر» ضد النقابات باسم الدفاع عن «مصالحها الخاصة». ولم تتردد أيضا في لعب ورقة «الدفاع عن المشاعر القومية» بل و«المشاعر الدينية».
وتؤكد المؤلفة في تحليلاتها أيضا أن القول بـ «الانتماء إلى القيم البرجوازية» لا يعني أبدا التمسك بـ «السلوك الأخلاقي»، وهي تسوق بهذا الصدد العديد من الأمثلة من التاريخ الحديث للغرب. هكذا مثلا، وأثناء الحرب العالمية الثانية لجأت عدة شركات شهيرة من بينها «كروب وباير وفولكس فاغن وديملر ـ بنز» إلى قسر العاملين على القيام بأشغال مضنية دون التعرض لأي عقاب.
كما أن أصحاب البنوك «البرجوازية» في سويسرا لم يترددوا في «تخزين» ذهب النازيين. وبهذا المعنى «لا تؤدي القيم البرجوازية» إلى سبيل الصلاح والسلوك المستقيم. وبهذا المعنى أيضاً «يمكن لأية برجوازية» مثلما هو الحال بالنسبة للأرستقراطية أو للطبقة الفلاحية أو العمالية أو للمثقفين، أن تقترف أشكالا من الشرور.
وتركز المؤلفة على القول انه لا ينبغي إطلاق أحكام مسبقة على البرجوازية، وقبلها على الرأسمالية، وبأنها تمثّل «الرذيلة متجسدة». وهي تناقش في هذا السياق أفكار أولئك الذين «أدانوا» البرجوازية في أحكامهم، وفي مقدمتهم جان جاك روسو، رغم أنه لم يستخدم بالتحديد لفظة «الرأسمالية» وصولا إلى جان بول سارتر، ومرورا بماركس وباكونين وروزا لكسمبورغ وغيرهم.
ولكنها تشير أيضا إلى وجود نفس الأحكام المسبقة تقريبا لدى خصوم «المعسكر اليساري» من أمثال ريكاردو وفريدمان وبيكر وغيرهم ممن اعتبروا أن «المجتمع التجاري» هو سيئ في «المنطلق»، لكن المؤلفة ترد على الجميع بالقول انه ليس هناك أي شيء يثبت بالدليل الواضح واقعيا أن السيئات التي يتم وصم الرأسمالية بها لم تكن موجودة في القرن السادس عشر أو في أي قرن آخر. وإنها ليست من إنتاج عصر «فرانكلين»، الرئيس الأميركي الأسبق أو عصر «الإعلانات».
كما تؤكد أن «التجارة ليست منتوجا سيئا تعود صناعته إلى حقبة قريبة» فنزعة التبادل موجودة في الطبيعة الإنسانية، بل إن التجارة، بكل أنواعها، هي أحد أقدم المهن التي مارستها المجتمعات الإنسانية. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى وجود وثائق و«رسائل تجارية» مكتوبة على ألواح فخارية تعود إلى حضارتي كوش وآشور وغيرهما من حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة. ثم إن التجارة ترافقت دائما مع أشكال السلوك «الجيدة» أو «السيئة».
وتركز المؤلفة في هذا الكتاب على دراسة «ميزات النمو الاقتصادي» وتطلق صفة «رائع» على النجاح الذي حققته الرأسمالية والبرجوازية في «الجانب المادي» خلال المئتي سنة المنصرمة. وهذا ما يدل عليه بوضوح الارتفاع الكبير الذي حققه دخل الفرد في البلدان الرأسمالية، وهو يمثل «أكبر تبدّل» عرفته الحالة الإنسانية منذ الألفية التاسعة قبل العصر الميلادي. وهو «تبدّل» تقيسه المؤلفة بذلك الذي حققته البشرية عند الانتقال من حالة الصيد والقنص إلى مرحلة الزراعة والاستقرار وبناء القرى ثم المدن.
وعلى مستوى الأرقام تقدّر أن دخل الفرد خلال فترة تتراوح بين 000 500 و000 80 سنة قبل الميلاد كان يعادل دولارا أميركيا واحدا يوميا بينما وصل هذا الدخل خلال ال200 سنة الأخيرة في أميركا إلى 109 دولارات. وتحدد المؤلفة من «قيم» البرجوازية أيضا بالقول ان الثراء المادّي يمكن أن يجلب معه الثراء السياسي أو الفني. وإذا كانت تشير إلى أن مثل هذه «الإمكانية» ليست حتمية فإنها تراها «محتملة».
وترى أن البرجوازية في أوروبا هي التي كانت وراء إنتاج «الحرية» وليس «اقنان» روسيا أو «فلاّحي» الصين. وهي بهذا المعنى ترفض المقولة الماركسية المعروفة إن «اليأس الاقتصادي يؤدي إلى اندلاع الثورات».
ثم إن الثراء الاقتصادي تكون له، برأيها، آثاره الثقافية الكبيرة، وهي تعتمد في هذا الرأي على أطروحات المفكر «تايلر كوين» وخاصة في كتابه «في مديح الثقافة التجارية». هكذا مثلا فضل الموسيقار الكبير «بيتهوفن» أن يبيح أعماله الموسيقية للجمهور وليس لأحد النبلاء، وذلك بسبب الريع الأكبر الذي كان يحصل عليه. هكذا أيضا ظهر سوق للفن سيطر عليه «المالكون البرجوازيون الصغار».
وتحت عنوان البحث عن «منظومات أخلاقية لعالم التجارة وفي هذا العصر الذي يمكن أن نطلق عليه تسمية «العصر الحديدي» أو «العصر البلاستيكي»، ترى المؤلفة أن «المدن» و«التجمعات السكانية» غدت منذ أواسط القرن التاسع عشر «مفيدة» بل وربما «ضرورية» بالنسبة للفنانين والمثقفين.
و«لكن هل هي فاضلة؟»، تتساءل وتجيب أن البروليتاريا والأرستقراطية تنظران إلى التاجر ببعض «الاحتقار» فهو لا يمتلك «الشرف الحربي» للفارس ولا «التضامن» المطلوب لدى العامل المستعبد. وهكذا جرى اختزال «القيم البرجوازية» إلى مجرد «رذيلة التعلق بالمصلحة الخاصة».
لكن المؤلفة ترى أن مثل هذا الرأي «مجحف»، إذ يمكن للرأسمالية والبرجوازية أن تكونا «فاضلتين» ومصدر غنى «أخلاقي» إن لم يكن مادياً. ثم إن السوق نفسه هو تعبير عن التضامن والتفاعل بين البشر من مختلف الأجناس والطبقات الاجتماعية والانتماءات الإثنية. وهكذا تؤكد المؤلفة أن الأسواق والحياة البرجوازية ليست سيئة دائما للعقل الإنساني، بل إنها قد تكون في المحصلة العامة جيدة وإيجابية.
* الكتاب: الفضائل البرجوازية منظومات أخلاقية من أجل عصر التجارة
*الناشر: جامعة شيكاغو - شيكاغو 2006
*الصفحات: 592 صفحة من القطع المتوسط
The bourgeois virtues
ethics for an age of commerce
Deirdre N. Mccloskey
University of Chicago
Chicago 2006
p. 592
