بشار إبراهيم، مؤلف هذا الكتاب، هو باحث وناقد سينمائي فلسطيني يقيم في دمشق، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين في سوريا. ينصب اهتمامه، بصورة أساسية، على السينما وقضاياها وهمومها، سواء عبر المقالات التي ينشرها، باستمرار، في الصحافة العربية، أو من خلال الكتب العديدة التي أصدرها،
ومنها: «نظرة على السينما الفلسطينية في القرن العشرين»، و«السينما الفلسطينية في القرن العشرين»، و«رؤى ومواقف في السينما السورية»، و«عبدالناصر والسينما: بحث في إشكالية سينما السيرة وسينما المؤلف»، و«ألوان السينما السورية»، و«ثلاث علامات في السينما الفلسطينية الجديدة».
في كتابه الجديد «سينما القطاع الخاص في سورية»، الصادر عن وزارة الثقافة السورية، ضمن سلسلة الفن السابع (دمشق ـ 2006)، يمضي بشار إبراهيم في طرح الإشكاليات السينمائية التي يفرزها الواقع السينمائي العربي، وخصوصاً السوري والفلسطيني، ففي هذا الحقل الذي خبره الباحث طويلاً يوجه بشار إبراهيم بوصلة البحث نحو توثيق نسق سينمائي سوري لم يحظ بالاهتمام المطلوب،
ولم يأخذ حقه من البحث والتحليل، والنسق السينمائي المقصود هنا، هو سينما القطاع الخاص في سوريا التي أنجزت نحو 150 فيلماً سينمائياً، ووصل الرقم، أحياناً، إلى 14 فيلماً في السنة الواحدة، كما جرى في العام 1974م، دون أن يتكبد أي باحث سينمائي عناء البحث في هذه التجربة السينمائية التي امتدت، بصورة فعلية مكثفة، من منتصف الستينات وحتى نهاية التسعينات من القرن الماضي.
وإذا كان النقاد السينمائيون يجمعون على أن انطلاقة السينما في سوريا بدأت مع فيلم «المتهم البريء» الذي أنتجته في العام 1928م شركة «حرمون فيلم» التي أسسها مجموعة من الهواة، ثم جاء الفيلم السوري الثاني في العام 1932م بعنوان «تحت سماء دمشق»، لمخرجه إسماعيل أنزور، فالفيلم الثالث «نداء الواجب» في العام 1936 وسواها من الأفلام،
غير أن البداية الحقيقية لسينما القطاع الخاص كانت في العام 1964 مع إنجاز فيلم «عقد اللولو» الذي أخرجه يوسف معلوف، ذلك أن هذا الفيلم استوفى شروط السينما الحقيقية القائمة على تقاليد فنية معروفة، كما أن الإنتاج السينمائي الخاص بعد هذا التاريخ لم ينقطع كما كان الحال في عقود الثلاثينات والأربعينات والخمسينات التي لم تظهر خلالها سوى سبعة أفلام لم تكن أكثر من محض تجارب سينمائية فردية جاءت أساساً عبر جهود بعض الهواة والمغامرين،
ولم يكن الإنتاج في تلك العقود متواتراً بل ثمة فترات طويلة بين فيلم وآخر نتيجة الصراعات السياسية التي عرفتها سوريا في تلك المرحلة، والانقلابات العسكرية المتتالية، ولأن المنتجين كانوا يخشون المغامرة، وضخ رؤوس الأموال في مجال فني، هو السينما، لم يزل جديداً، وغامضاً بعض الشيء.
بهذا المعنى يمكن القول ان فيلم «عقد اللولو» الذي ظهر منتصف الستينات، شكل البداية الحقيقية، فمع هذا الفيلم بدأت عجلة السينما السورية الخاصة بالدوران، وبدأت صالات السينما تستقطب الجمهور العريض من كل الشرائح، وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود ونصف استطاعت الشركات السينمائية السورية الخاصة أن تنجز، كما أشرنا، نحو مئة وخمسين فيلماً، وهذا الكم الهائل، كما يرى بشار إبراهيم، يستحق وقفة نقدية، ويستحق كذلك الأرشفة والتوثيق،
إذ يقول الباحث «نعتقد أن التوقف أمام أفلام سينما القطاع الخاص في سوريا، وتأملها فيلماً بعد آخر، يمكن أن يكشف الكثير من النقاط التي لابد من الانتباه إليها، وإثارة الأسئلة، واقتراح الأجوبة، سواء على الصعيد الفني، أو على مستوى المضامين والموضوعات التي تناولتها هذه الأفلام، كما يسمح بإبداء جوانب من الرؤية النقدية، بعيداً عن الشمولية والتعميم، فالتعميم المطلق جهل مطلق».
وفق هذا التصور ينظر الباحث إلى أفلام القطاع الخاص في سوريا، محاولاً الدفاع عن تلك التجربة التي نظر إليها الكثير من النقاد باستخفاف وازدراء، ونعتوها بأكثر الأوصاف تطرفاً وتجريحاً، فأفلام القطاع الخاص في سوريا، من وجهة نظر هؤلاء النقاد، هي «أفلام سطحية، تافهة مبتذلة، تثير الغرائز...»، وهي في معظمها أفلام تنتمي إلى الميلودراما الرخيصة، أو إلى الكوميديا التهريجية.
والواقع أن ما يشاع حول سينما القطاع الخاص من انه «مبتذل وتافه» صحيح إلى حد ما، غير أن الكثير من النقاد يطلق هذا الرأي دون أن يلزم نفسه بمشاهدة تلك الأفلام ومن ثم الحكم عليها، وما يميز معالجة بشار إبراهيم عن غيرها من المقاربات، هو انه ينطلق، وقبل كل شيء، من مشاهدة أغلب الأفلام ومن ثم الحكم عليها، ففي سعيه إلى تسليط الضوء على تلك التجربة لا يتسلح الباحث بمقولات نمطية مسبقة، ولا يلقي بالا لكل التهم الجاهزة لدى اقتحامه لهذا «الحقل الشائك»،
بحسب وصفه، فالمصدر الأساسي لديه هو المشاهدة، وبذلك سنجد في الكتاب مقالات نقدية جادة تتناول ثلثي إنتاج سينما القطاع الخاص في سوريا، وهذا، بحد ذاته، جهد كبير بذله بشار إبراهيم بغرض الدفاع عن هذه السينما المغيبة والمنسية، أو في أحسن الأحوال مصنفة ضمن ما يسمى بـ «السينما التجارية» التي لا تحظى بالسمعة الحسنة.
إبراهيم حاج عبدي
* الكتاب: سينما القطاع الخاص في سورية
*الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2006
*الصفحات: 526 صفحة من القطع المتوسط
