هذا التصنيف الضخم يجمع معظم خطب وحوارات وورقات عمل ومقالات الرفيق الشيوعي المخضرم، دانيال نعمة: عضو الجبهة الوطنية التقدمية وفي سوريا، على مدى نصف قرن، كان نعمة عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وعضوا في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية ممثلا للحزب في الجبهة منذ تأسيسها 1972 حتى وفاته في 2003،
وعضوا نشطا في الحركة الطلابية والنضال ضد الاحتلال الفرنسي، وهو خريج كلية الحقوق من جامعة دمشق 1949، عمل في التدريس من عام 1945 حتى عام 1951، وفي التحرير الصحافي لجريدة النور، كما عانى من الاعتقال في عهد الشيشكلي، في سجن تدمر لكن الكتاب لا يذكر مدة الاعتقال.
من المعروف أن الجبهة ضمت خمسة أحزاب ثم تطورت إلى سبعة هي (حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الشيوعي بشقيه، حركة الاشتراكيين العرب، حزب الوحدويين الاشتراكيين، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، والحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي).
كلمة التصدير على الغلاف الأخير تشير إلى أن (تسلسل المواد تاريخيا يعكس ويبين حراك الأحزاب السياسية السورية وعلاقة بعضها ببعض من وجهة نظر الحزب الشيوعي السوري ممثلة بأبرز ممثلي الحزب في العقود الخمسة الأخيرة).
يضم الكتاب وثائق وكتابات تنشر لأول مرة، قد يستغرب المرء سبب حجبها رغم قربها من خطاب حزب البعث، شريكه في السلطة. ويحتوي مواد أخرى منشورة. يضيف التصدير: الكتاب مادة وثائقية «تاريخية» وفكرية وتثقيفية كما جاء في التقريظ.
الكتاب يعكس نبرة الخطاب السائد في سوريا منذ الثورة، الأرشفة فيه أكثر من الأسرار، فمثلا يرد نعمة في احد الحوارات الانقسام في الحزب الشيوعي إلى (العنصر الذاتي للرفيق خالد بكداش المبادر دائما لكل انقسام مع الأسف الشديد). ليس في الكتاب سوى مستوى واحد من الخطاب المنبري فمعظم مقالات الكتاب خطب أو مقالات صحافية.
الكتاب يغطي الحراك في سورية خلال نصف قرن (1955 ـ 2004) من وجهة نظر احد أحزاب الجبهة، فالآخرون انعزاليون أو رجعيون.. الكتاب يلخص تجربة الرفيق دانيال نعمة وعمله ونشاطه في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية (الذي استدعته الضرورة التاريخية للظروف السائدة وأهداف النضال التحرري الوطني والقومي) 2003. يتابع الأمين العام للحزب الشيوعي يوسف فيصل في المقدمة التقريظية: (الكتاب يرد بالوقائع...على كل من يدعي أن الجبهة الوطنية التقدمية هي كيان هش).
يكثر دانيال نعمة من مصطلحه المفضل «العمل الجبهوي» كعمل إبداعي ونضالي ويرد على سؤال مندوب جريدة الشعب الجزائرية يوسف مريش عام 1995 قائلا: (أعتقد أن الاستقرار السياسي الذي تتمتع به سوريا والذي وصفتموه بأنه نسبي هو أكثر من نسبي.. فسياسيا جرى الإقرار بالتعددية السياسية الحزبية وتم الانتقال إلى نظام حكم يقوم على الشرعية الدستورية)، وينفي تهمة ركود الجبهة (إلا إذا كان المقصود بها أن اجتماعات الهيئات العليا للقيادة الجبهوية لا تتم على نحو متواتر؟)
ويقدم للمحاور الجزائري صورة وردية عن العمل الجبهوي. وفي حوار مع جريدة الشرق الأوسط يرد على سؤال حول الأفكار التي طرحت في المنتديات التي أغلقت: البعض لا يريد أن يرى من الماضي إلا النواقص والثغرات.. وإنكار كل منجزات الماضي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويستنكر قائلا؟ هل يحق لأحد أن يتجاهل المواقف الطبقية؟ أن الموقف من الاستعمار والصهيونية هو موقف طبقي، بالإضافة إلى كونه موقفا وطنيا وقوميا. ويرد على سؤال للكاتب أبي حسن حول بقائه ممثلا للحزب الشيوعي في الجبهة مدة ثلاثة عقود قائلا بما معناه إنه كان مطلبا حزبيا وليس شخصيا.
يبرئ دانيال نعمة حزبه من تهمة الجمود بوثائق تؤكد أن حزبه طالب بوضع قانون للأحزاب وإصدار صحافة علنية لأحزاب الجبهة ـ المحرومة حتى أواخر الألفية الثانية من الصحافة «الجبهوية» رغم مشاركته السلطة ـ بل وتقديم اقتراحات «مشاريع» قوانين للأحزاب وتعديل قانون الطوارئ) ـ وليس إلغاؤه ـ وهذا (عمل مهم ومؤثر) كما يقول فيصل في المقدمة ويعتذر الفيصل من طرف خفي على عدم تحقيق حزبه «منجزات» بأنه: ليس سلطة تنفيذية فدور الحزب الشيوعي استشاري.
يبدأ الكتاب بمقتطفات من خطاب مؤتمر الحزب الشيوعي المنغولي (أيها الرفاق المنغوليون) وكأنما يدرك معدّ الكتاب. يتابع الخطاب التحدث عن (الانتقال من مجتمع ما قبل الرأسمالية إلى الاشتراكية دون المرور بمرحلة الرأسمالية) ثم تتابع الخطب أو المقالات: (المرحلة الجديدة في حركة التطور الوطني) و(تحركات رجعية مشبوهة) و(قضايا العمل الجماهيري) و(ترسيخ وحدتنا الوطنية أساس متين لمجابهة كل التحديات).
يضم الكتاب اثني عشر ملحقا مثل: الجبهة الوطنية طريق القضاء على المؤامرات، ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية... وملحقا بالصور يظهر فيها نعمة مع بريجينيف والرئيس حافظ الأسد في مناسبة توقيع الصداقة السورية السوفييتية عام 1980، وصور أخرى مع قيادات بلغاريا وليبيا وتونس وكوريا الديمقراطية والصين الشعبية.. بالرغم من تواتر خطاب هذا الكتاب في لغة الصحافة الحزبية «الجبهوية» السورية حتى الآن فإنه وثيقة وشاهد على الجبهة وعلى بعض الحراك السوري السياسي.
أحمد عمر
* الكتاب: جبهويات
*الناشر: دار التكوين ـ دمشق 2006
*الصفحات: 528 صفحة من القطع المتوسط

