مؤلف كتاب طبقات الفقهاء، هو الفقيه «أبو إسحاق الشيرازي إبراهيم بن علي بن يوسف» المولود سنة 393 في بلدة «فيروز أباد» وهي مدينة تقع إلى الجنوب من «شيراز» وبها نشأ وفيها بدأ تحصيله العلمي، وبعد أن نال من العلم ما يمكن أن يتيحه له بلده، أغترب عنه استكمالاً للطلب، فدخل «شيراز» وعمره في حدود السابعة عشرة، فبقي فيها قرابة سبع سنين، حتى أحرز التمرس بفن الجدل، وهو القائل «كنت أناظر بشيراز وأنا صبي».
ثم توجه بعد ذلك إلى «العراق» فدخل «البصرة» ودرس على فقهائها ومنهم «الحوزي» ثم قصد «بغداد» متابعاً طلب العلماء، فوجد في «بغداد» بيئة علمية غير التي عرفها في سائر المدن والقرى، ووصل نفسه بكبار الفقهاء، ولكن أكبر أساتذته في هذا الدور، هو «أبو الطيب الطبري» الذي يقول في وصفه «ولم أر من رأيت أكمل اجتهاداً، وأشد تحقيقاً، وأجود نظراً منه».
وبعد وفاة الشيخ «أبي الطيب الطبري» يكاد أبو إسحاق يصبح العلم المتفرد بين الفقهاء، حتى أن الوزير «نظام الملك» لما بنى المدرسة النظامية ببغداد، لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها، إلا على الشيخ «أبي إسحاق» ولكن الشيخ لم يحضر للتدريس في الوقت المحدد، ولم يرضى إلا بعد أن ضغط عليه تلاميذه ومحبوه وبقي إلى أن توفي سنة 476 هجرية، وقد رثاه عدد كبير من الشعراء
وقد كان الشيخ ذكياً، قوي الحافظة، دؤوباً على الدرس والتحصيل متقللاً قشفاً في مطعمه وملبسه، قانعاً باليسير، صابراً على الفقر، وبسبب ذلك الفقر، لم يحاول أن يحج، وهكذا وحده يدلنا على أن صلته بنظام الملك، لم تغير كثيراً في حالته المادية، أما في الفصاحة والقدرة على المناظرة، فكان يضرب به المثل، ولهذا شهد له الكثيرون بالتفوق.
وهكذا كان في مجموع خصاله، مثال العالم الذي يجدع بين العلم والعمل به، ولهذا كان مجمعاً عليه من أهل عصره علماً وديناً رفيع الجاه بسبب ذلك، محباً إلى غالب الخلق، لا يقد أحد أن يرميه بسوء لحسن سيرته وشهرتها عند الناس. أما كتابه «طبقات الفقهاء» فهناك من تناول هذا قبله، وقد كثرت الكتب في طبقات الفقهاء بعده.
وطبقات الفقهاء للشيرازي لا يعدو أن يكون سرداً لأسماء الفقهاء فهو لم يحاول أن يكتب تراجم الفقهاء وإنما حاول أن يقدم لنا صورة دقيقة عن تطور الفقه، من خلال رجاله على مر الزمن، وأكبر شاهد على ذلك ما دونه من معلومات عن فقهاء الصحابة والتابعين، فإنه لو شاء أن يرخي العنان لعلمه، لكتب في هذا السبيل مجلدات، فالشيرازي مؤلف عارف بخطته، شديد الإحكام لها، قادر على الانتقاء للمادة التي تصلح لكتابه لا يستهويه الاستطراد والاستكثار من المعلومات.
وقد جعل نصب عينيه غاية واحدة وهي، أن يضمن كتابه مالا يسع الفقيه جهله، ليعرف من هم الذين نعتبر أقوالهم في انعقاد الإجماع، ولهذا أصبح كتابه مصدراً هاماً في كتب التراجم لدقة ما يورده من معلومات.
والكاتب يورد في المقدمة قائلاً: هذا كتاب مختصر في ذكر الفقهاء وأنسابهم، ومبلغ أعمارهم، ووقت وفاتهم، وما دل على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم، وذكر من أخذ عنهم العلم من أتباعهم وأصحابهم لا يسع الفقيه جهله لحاجته إليه في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الإجماع، ويعتد به في الخلاف، وبدأت بفقهاء الصحابة رضي الله عنهم ثم من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين رحمهم الله ثم بفقهاء الأمصار وإلى الله تعالى أرغب أن يوقفني الصواب..».
وهكذا يبدأ الكتاب بالخليفة «أبي بكر الصديق» رضي الله عنه، حيث يقول عنه: إمام الأئمة وخليفة رسول الله (ص) على الأمة، مات سنة ثلاث عشرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافته سنتين وشهراً وكان من اعلم الصحابة، قدمه رسول الله(ص) للصلاة بالناس في حياته، وأضاف: لم يكن أحد يفتي بحضرة النبي (ص) غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم يتحدث عن الخليفة «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه وعن عثمان رضي لله عنه، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذاكراً سنة خلافة كل منهم ومدتها. وما تميز به في حياته من معرفة ودراية ثم لينتقل بعد ذلك إلى الصحابة ثم التابعين وغيرهم، ليكون كتابه سجلاً وافياً عن أولئك الفقهاء الذين رسخوا المعرفة بالدين وبطرقه.