لويس شوفيل عالم اجتماع وأستاذ في كلية العلوم السياسية بباريس، وباحث في «مرصد الأحوال الاقتصادية» و«المرصد السوسيولوجي للتغير الاجتماعي وديناميات الأجيال». سبق له وقدّم كتابا عن «مصير الأجيال».

«الطبقات الوسطى التائهة»، كتاب اعتبرته شرائح واسعة من الطبقات الوسطى الفرنسية بمثابة «بيانها» أو «الناطق باسمها»، هذه الطبقات الوسطى «تقع» في «الوسط تماما» بين النخبة والطبقات الشعبية. وقد كانت لعقود طويلة هي أحد المحركات، إن لم تكن المحرّك الأساسي، للنشاط الاجتماعي، وإلى حد كبير السياسي، في فرنسا.

ذلك أنها ارتبطت بمفهوم «التقدم» و«التحرر» اللذين تمّت ترجمتهما على صعيد الواقع خلال سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة بتحقيق عدد كبير من «المكاسب الكبرى» مثل «امتلاك المنزل» و«إمضاء العطلات الصيفية» على ضفاف البحر أو في المنتجعات السياحية في داخل البلاد وخارجها، و«حيازة سيارة» خاصة، و«متابعة التعليم الجامعي»؛ و«اكتساب حق الإجهاض» إثر ما سمي ب«ثورة الطلبة» خلال شهر مايو من عام 1968.

هذه «المكاسب» تبدو اليوم ب«أغلبيتها» مهددة بالضياع، ومن هنا بالتحديد يأتي عنوان هذا الكتاب. وحول هذا الموضوع تتمحور التحليلات المقدّمة فيه.

يبدأ المؤلف ب«تعريف الطبقات الوسطى» عبر محاولة الإجابة عن السؤالين التاليين: «هل الطبقات الوسطى هي وسطى بالفعل؟« ثم «هل الطبقات الوسطى طبقة؟». ولا يتردد في معرض الإجابات التي يقدمها في القول إن القرن العشرين كان «قرن طبقات وسطى جديدة». ويميّز في هذا السياق بين أربع «شرائح» في هذه الطبقات حسب موقعها في التراتبية الاجتماعية ومستوى دخلها. لكن مع وصول «مجتمع ما بعد الوفرة» بدت ملامح «الفردوس الاجتماعي المفقود» بالنسبة لهذه الطبقات وحيث أصبحت حالة الإحساس ب«عدم الاستقرار».

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الأحداث والمظاهرات التي شهدتها فرنسا خلال شهر مايو من عام 1968 والمعروفة باسم «ثورة الطلبة» قد كرّست إلى حد كبير دور الطبقات الوسطى. ولهذا يتحدث اليوم عن أولئك الذين يسميهم «يتامى 1968». وهو يتحدث في القسم الأخير من الكتاب عن «طبقات وسطى بدون مشروع» في الوقت الراهن. وذلك مع بروز «نموذج جديد للنزعة الفردية».

ويشرح المؤلف أن الطبقات الوسطى في فرنسا، وهذه الحالة تنطبق على أغلبية الدول الأوروبية المقدمة الأخرى، قد أصبحت بعيدة عن الفترة التي جرى الاتفاق على تسميتها ب«الثلاثينات المجيدة»، أي العقود الثلاثة المزدهرة بعد الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت «الطبقات الوسطى» تنظر إلى المستقبل بكثير من التفاؤل.

أما اليوم فإن هذه الطبقات: «التي تواجه أزمة مباشرة مثل غيرها من الطبقات الاجتماعية، والتي تعاني من هشاشة متعاظمة ومن الشرخ الواضح أكثر فأكثر بين الأجيال، أصبحت تعاني من الشكك ومن اهتزاز موقعها بعد أن تغيّر مركز الثقل الذي كان يتمحور حوله المجتمع الفرنسي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية».

ويحدد المؤلف الطبقات الوسطى في فرنسا اليوم على أنها تتألف، بالمعنى الاقتصادي، من فئات الأسر الصغيرة (أب وأم وطفلين في المتوسط) التي يبلغ دخلها الشهري حوالي (3000) ثلاثة آلاف يورو. ويشير في هذا السياق إلى التسمية التي أطلقها عالم الاجتماع الفرنسي «آلان تورين» في سنوات الستينات على ما سمّاه «الطبقات الوسطى الجديدة من أصحاب الرواتب».

وكانت هذه «الطبقات» قد ازدهرت، في الواقع، ما بين سنوات الخمسينات وسنوات السبعينات مع ظهور عدد هام من الخدمات الجديدة مثل مراكز العناية الصحية الجامعية والمشاريع الكهربائية الكبرى (الطاقة النووية) والقطارات ذات السرعة الكبيرة «تي.جي.في» وتطوير الجامعات ووسائل الإعلام.

وينقل المؤلف عن الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان تصريحه عام 1977 بأن ثلثي الفرنسيين ينتمون إلى الطبقات الوسطى. وهكذا أراد أن يؤسس «حزب الطبقات الوسطى». لكن هذه الطبقات الوسطى وصلت إلى السلطة، كما يشرح المؤلف، عام 1981 مع فوز فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية تلك السنة، وكان الدفاع عن مصالح هذه «الطبقات» يشكل المحور الرئيسي في مختلف البرامج الانتخابية،

وذلك على أساس أنها كانت تشكل «النواة الحيّة» للمجتمع، وأنها تشكل «الكتلة» الأكبر بما يزيد على 60 بالمائة من مجموع الناخبين والمحصورة بين النخبة التي تشكل حوالي 10 بالمائة والطبقات الشعبية الفقيرة من «المستبعدين» من مسيرة التقدم.

لكن في الوقت الذي كان يتحدث فيه الكثيرون عن «تعزيز مواقع الطبقات الوسطى» في المجتمع، كان هناك «ميل ترتسم ملامحه» نحو تغيير الاتجاه، وبداية مسيرة تضاؤل قوة الطبقات الوسطى، كما يشرح المؤلف. وهو يؤكد بهذا الرأي الأطروحة القائلة إن المجتمعات تتعرف على نفسها غالبا في أوصاف تكون بنفس اللحظة بطريقها إلى التقهقر.

هكذا مثلا يشير إلى أن العديد من الباحثين تحدثوا في سنوات الستينات عن تعاظم بؤس العمال بينما كانت رواتب هؤلاء العمال تزيد بنسبة 4 بالمائة سنويا. وفي سنوات الستينات تلك كان يمكن لأصحاب المرتبات أن يتأملوا أن تتضاعف قدرتهم الشرائية خلال عشرين سنة وأن يتأملوا مستقبلا مشرقا لأبنائهم و«أفضل من مستقبلهم هم».

وإذا كان مثل هذا التوجه نحو تضاؤل قوة الطبقات الوسطى قد بدأ بالظهور شيئا فشيئا في الوقت الذي كانت فيه فكرة «تعزيز مواقع الطبقات الوسطى في المجتمع» تتعزز وتفرض نفسها، فإن «منعطفا» حقيقيا قد حدث في النصف الأول من عقد الثمانينات الماضي. ذلك أن اليسار الحاكم بقيادة فرانسوا ميتران «نسي وعوده» الانتخابية وانتهج في عام 1984 سياسة «الحزم» الاقتصادي. وكانت النتيجة هي «مراوحة الرواتب في مكانها» وارتفاع أسعار الأبنية وازدهار البورصات.

ثم تسارع مثل هذا الاتجاه في الفترات اللاحقة؛ هكذا نرى أنه ما بين عام 1997 وعام 2002 ارتفع ثمن المتر المربّع للبناء في مدينة باريس بنسبة 7 ,68 بالمائة وبنسبة 58 بالمائة في المدن التي يزيد عدد سكانها على عشرة آلاف نسمة. هكذا لم يعد دخل شرائح الطبقات الوسطى، بأغلبيتها، يسمح بتوفير السكن المطلوب والأساسي في منظور المستقبل.

وفي محصلة هذا كله أصبح المستقبل «غير مقروء» حتى بالنسبة للشرائح «العليا» من الطبقات المتوسطة، بينما خيّمت أجواء القلق على الجميع. وهذا ما تمّت ترجمته في أرض الواقع ب«اضطرار» مجموعة من أبناء «الأحياء الراقية» في باريس التي وُلدوا فيها كون أن آباءهم استفادوا من فترة صعود وازدهار الطبقات الوسطى.

أما الأبناء فإنهم لم يعودوا يمتلكون حاليا إمكانيات المحافظة على مستوى المعيشة الذي عرفه آباؤهم، وهذا يشكل مصدرا لتراكم الصعوبات التي تترتب عليها «تحولات في التصنيف الطبقي نحو المستوى الأدنى»؛ وهذا ما يعتبره مؤلف الكتاب «صدمة» ووضعا نادرا في فرنسا خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن ماذا عن الطبقات الشعبية؟

* الكتاب: الطبقات الوسطى التائهة

*الناشر: سويل - باريس 2006

*الصفحات: 340 صفحة من القطع المتوسط

Les classes moyennes à la dérive

Louis Chauvel

Seuil- Paris 2006

p.340