حسين جمعة دكتوراه في الآداب جامعة دمشق، أستاذ الأدب القديم والدراسات العليا بجامعة دمشق، رئيس اتحاد الكتاب العرب، له: الحيوان في الشعر الجاهلي دمشق 1989، ابن المقفع بين حضارتين ـ دمشق 2003، المسبار في النقد الأدبي ـ دمشق 2003، جمالية الخبر والإنشاء ـ دمشق 2005، وله أعمال أخرى مطبوعة.
ضم الكتاب مقدمة بيّن فيها الكاتب المنهج في تحليل مرايا الالتقاء والارتقاء والأسباب التي دعته لتأليف هذا الكتاب.
وخصّ الفصل الأول لبعض القواسم المشتركة في الأدبين العربي والفارسي، فقد برزت أشكال النماذج الحضاري منذ البعثة المحمدية وتحددت هذه القواسم في القرآن الكريم والترجمة والتأليف ويقصد بها ما أنتجته من تكوين قواسم مشتركة عديدة بين العرب والفرس على كافة الصعد الثقافية والاجتماعية والثقافية والأدبية، بالإضافة إلى القواسم اللغوية والفنية والموضوعات المشتركة كموضوع وصف الطبيعة الجامدة والمتحركة ووصف الممالك الزائلة والأطلال الدراسة ويتوقف عند موضوع الحب العذري.
في ضوء هذا الفصل الذي أبرز قيمة التجديد في النهضة الفكرية والأدبية انبثقت الفصول الثلاثة التالية له. فخلص الفصل الثاني إلى (المؤثرات الفارسية في شعر الأعشى) وهو شاعر جاهلي عرف بتردده على بلاد فارس والحيرة فكان شعره صدى لذلك، وهذا ما فرض عليه أن يشير بإيجاز إلى حياته ورحلاته وتجواله ليكتشف الأثر الفارسي السياسي واللغوي والاجتماعي والأدبي في شعره، وهو الذي قاده إلى إثبات عدد من الآراء والنتائج في نهاية البحث، مما يؤكد اللقاء الحرّ بين العرب والفرس منذ القديم في إطار التفاعل الحضاري الثقافي الاجتماعي والمدني.
في الفصل الثالث تأتي مرحلة صدر الإسلام التي امتد تأثيرها إلى اليوم، واختار الباحث منها (قصة المعراج النبوي). وهي أشهر قصة تركت بصماتها في إحداث نهضة أدبية وفكرية كبرى، فضلاً عمّا انتهى إليه الدارسون من خلاف واختلاف في ماهيتها وطبيعتها،
وكشف اللثام في هذا الفصل عن جملة من الأخطاء الفكرية والتاريخية التي ذهب إليها غير دارس حين جعل معراج (أردافيراف) أصلاً للمعراج النبوي، أو حين صنف بعض الباحثين المعراج النبوي تحت مفهوم أدب الرحلات أو الأدب المسرحي... وهو لا ينتمي إلى أي من هذا أو ذاك من قريب أو بعيد بوصفه معجزة إلهية.
وهذا كلّه حرض الدكتور حسين جمعة على تبني المنهج التاريخي التحليلي لعرض المعارج وقصص الرحلات إلى العالم الآخر لمعرفة حقيقة الأمر، فأشار إلى ما يزيد على خمسين معراجاً ورحلة في هذا المجال، بعد أن عرض لمفهوم الإسراء والمعراج وماهيته في العقيدة الإسلامية،
كما جاء في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، ثم توقف الباحث عند عدد من المعارج والرحلات موازنة ومقارنة، ولاسيما حين تعلَّق الفصل بالمقارنة بين المصنفات الإسلامية والغربية كملحمة «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي (دانتي) و«الفردوس المفقود» للشاعر الإنكليزي (ميلتون)، وألحق بالفصل ستة ملاحق كثفت هذه القضايا وكانت مرايا للحقيقة كشفت مزاعم عديدة ووضعتها في مكانها الصحيح، كما أنهت خرافة أثر معراج (أردافيراف) في المعراج النبوي.
الفصل الرابع «فلسفة الخيام في الرباعيات» جاء ليكون خاتمة الكتاب بالإضافة إلى تمثيله لروح العقيدة والفلسفة والنزعة الوجودية للإنسان. ولمّا كان الخيام مدار دراسات كثيرة تقاذفته عقيدة واسماً وفلسفة جعل الكاتب الرباعيات سنداً لقراءة آرائه وأفكاره فيما اتفق عليه الدارسون من صحة نسبتها إليه،
واختار ترجمتين: شعرية ونثرية دون أن يهمل الإشارة إلى بقية الترجمات، وقد قادته دراسة فلسفة الخيام في الرباعيات إلى تعريف موجز بالشاعر وبها، وبيان حقيقة الشك والتعيين لديه ثم بيان ماهيّة الوجود والعدم، وصولاً إلى ما قيل في زهده وتصوفه أو أي رأي آخر. وتبيّن أن للترجمة أثراً كبيراً في اختلاف الدارسين حول فلسفته وآرائه.
إن فلسفة «مرايا الالتقاء والارتقاء» عاجزة عن الإحاطة بما امتلكته الأديان في العربية والفارسية من وسامة التعبير وألق الروح وصدق العاطفة وثراء المادة، ولكنها تحمل رسالة التوق الأبدي إلى استحضار ثمرة الأشواق واكتشاف أعماق الأسرار في تفاعلهما، وتدعو الباحثين إلى حمل نصيبهم من ذلك.
فيصل خرتش
* الكتاب: مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي
*الناشر: اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2006
*الصفحات: 155 صفحة من القطع الكبير

