يساهم في هذا الكتاب أكثر من عشرين باحثاً معظمهم من أساتذة الجامعات الفرنسية. وتتوزع مواده بين خمسة أقسام رئيسية يتضمن كل منها عددا من «الملفات»، وتحمل بالتتالي العناوين الآتية: «مقاربة عامة لمسألة المخاطر في العالم»، «المخاطر الطبيعية أو المخاطر ذات البعد الطبيعي الغالب»، «المخاطر الإقليمية ذات المنشأ الطبيعي»، «المخاطر الديمغرافية» وأخيرا «المخاطر الناتجة عن الحضارة الحديثة».
وفي باب «المقاربة العامة لمسألة المخاطر في العالم» يتم التعرض أولا لطبيعة المخاطر ولمداها وآليات عملها، وذلك على أساس أن هذه المخاطر مثّلت باستمرار مشكلة في كل الأزمنة ولدى جميع المجتمعات إذ ليس هناك أحد بمنجاة منها بشكل كامل.
لكن يتم التأكيد في هذا السياق على أن التطور السريع والكبير الذي شهدته الإنسانية في تاريخها الحديث وسرعة انتقال السلع والأشخاص على قاعدة منجزات الثورة الصناعية، وبعدها ثورة المعلوماتية والاتصالات، قد أدّى إلى زيادة المخاطر من حيث الكم وإلى زيادة خطورتها من حيث الكيفية.
وأما مثل هذه الزيادة أصبح من المطلوب، كما يؤكد غابرييل واكرمان في طرحه لـ «الإشكاليات العامة للمخاطر في العالم»، على ضرورة الوصول إلى «تسيير شامل ومنسّق للمخاطر». وذلك بالاعتماد على ملاحظة ورصد المشاكل المطروحة على مختلف المستويات الاجتماعية وفي إطار المجال الجغرافي المعني بها، ثم الانتقال إلى إيجاد «أدوات التسيير المستدام للمخاطر».
ويدرس جوليان ماثيو، الأستاذ في جامعة نانسي، المخاطر الطبيعية من خلال أبعادها التاريخية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. إنه يؤكد في هذا الإطار على أن «تاريخ» المخاطر في هذه المنطقة هو خليط من الحكايات الشعبية الشفهية المتناقلة والأساطير والحقائق الجغرافية، وحيث ان الجغرافية قد لعبت دورا مهماً في جعل البحر المتوسط ملتقى للعديد من الحضارات، وبالتالي ملتقى لـ «المخاطر».
أما «المخاطر الطبيعية أو المخاطر ذات البعد الطبيعي الغالب» فتتم دراستها من عدة أوجه، إذ يدرس أولا جيرار مونيه، الأستاذ في جامعة ليون الثالثة، وعضو أكاديمية العلوم لمقاطعات ما وراء البحار، المخاطر المتعلقة بـ «الزلازل». ثم يكرّس الباحثان فريديريك ليون وتييري ليزال، الأستاذان الجامعيان، مساهمتهما للحديث عن «الخطر البركاني في منطقة المارتينيك».
وذلك من زاوية أهمية الخرائط في تحديد «جغرافية المخاطر الطبيعية». ويتم تدقيق القول في ان المارتينيك تقع في «مركز القوس البركاني لجزر الأنتيل الصغرى»، وحيث ان جبل «بيلي» يشكل أعلى نقطة في الارتفاع عن مستوى البحر حيث يصل ارتفاعه إلى 1397 متراً، وهو يشكّل «منطقة بركانية قابلة للتفجر» بسبب تضافر عدة عوامل إقليمية.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه «تمّ إحصاء 28 دورة تفجر بركاني في هذه المنطقة خلال الستة آلاف سنة الأخيرة» ومن بينها «أربعة انفجارات» حصلت بعد وصول المستوطنين الأوروبيين الأوائل إلى المارتينيك عام 1635.
ومن «الخطر البركاني» إلى «المخاطر المتكررة» المتعلقة بالغابات والحرائق والعواصف، ويتم تحت هذا العنوان البحث في آليات «تفعيل» هذه المخاطر غير الخاضعة عمليا للتعرف المسبق على حدوثها مما يزيد من خطورتها ومن مدى تخريبها المحتمل. وتتدخل في هذا الإطار العوامل البيولوجية، إذ ان الهشاشة التي تحدثها هذه المخاطر في المناطق التي تقع فيها تفتح الأبواب أمام جميع الأوبئة والأمراض. كما تتم في هذا الإطار دراسة المخاطر المترتبة على المناخ بصورة عامة.
وفي ملف يحمل عنوان «المجالات الجغرافية للمخاطر في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط»، يؤكد الأستاذ الجامعي في باريس، جيرار هوغوني أن «المجالات الجغرافية المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط تتكدس فيها أفدح المخاطر في العالم وذلك ضمن المقياس الذي تلتقي فيها حالة متقدمة جدا من عدم الاستقرار الجيولوجي مع حالات متنافرة بعنف فيما يتعلق بدرجات الحرارة وهطول الأمطار وجريان المياه حسب الفصول.
بالإضافة إلى هجومات حادّة يقوم بها البحر وعواصف على الشواطئ وكثافة سكانية كبيرة في الجبال والهضاب القريبة كما في المدن الشاطئية الأكثر فأكثر اكتظاظا بالسكان». ويحدد الكاتب أكثر مناطق حوض المتوسط خطورة في تلك المجاورة لـ «الشريط القائم على جانبي التصدعات الكبرى التي تفصل بين الكتل الصخرية الجوفية المتحركة»، وكذلك في المجالات المجاورة لـ «البراكين الخمسة النشيطة».
كما يحدد مناطق تعاني من «مواطن ضعف» تتمثل في «القطاعات الجرداء غير المحمية بـ «الأشجار» والمهددة بـ «السيول في الفصول الباردة وبالانزلاقات الأرضية»، وأيضا مناطق «أعماق الأحواض والوديان» المغطاة دوريا بفيضانات كبيرة.
ويضيف إلى هذه القائمة الخاصة بالمناطق «ذات مواطن الضعف» مجالات التجمع السكاني الشاطئية حيث «تضاف المخاطر الاجتماعية إلى المخاطر الطبيعية والتكنولوجية كي تزيد من عدد المتأثرين بها». وتشكل «المخاطر المتعلقة بالموت وذات الطابع الاجتماعي» موضوع أحد ملفات هذا الكتاب. ويتم التأكيد في التحليلات المقدمة على «هشاشة المدن الكبرى» في ميدان مواجهة المخاطر، وذلك على أساس أن «تمركز أعداد كبيرة من السكان ومن النشاطات يؤدي بشكل واضح إلى مضاعفة آثار المخاطر».
ويشير كاتب المساهمة «جاك بونيه»، الأستاذ في جامعة ليون، إلى أن هناك «مفارقة» تتمثل في واقع أن البلدان ذات الاقتصاد المتقدم تنصح التكنولوجيات الأكثر تطورا عن أشكال جديدة من الهشاشة، ومما يجعل المخاطر أكثر تأثيرا. ومثل هذه الظاهرة تتكرر في البلدان الفقيرة حيث تجعل أشكال اللامساواة الاجتماعية المخاطر أشد وقعا. وفي الحالتين يقوم نوع من «غياب الأمن المزمن» الذي يصعب الرد عليه. ثم «ان المدينة تشكل عاملا خطرا بحد ذاتها وذلك من حيث بعدها الحقيقي والرمزي».
إن زيادة المخاطر بسبب «هشاشة» المدن الكبرى، هي احدى النتائج المترتبة على التطور الذي عرفته المجتمعات الإنسانية اعتبارا من عصر الثورة الصناعية. ذلك أن الصورة قد تبدلت مع قيام التجمعات السكانية الكبرى إذ غدا أكثر من نصف سكان البشرية يعيشون على مساحة 5 ,0 بالمئة من مجموع مساحة القارات.
نقرأ: «طيلة قرون من الزمن وأحيانا في بعض بلدان العالم الثالث حتى اليوم، كانت المدينة تمثل المكان الأكثر أمنا وسط عالم مترامي الأطراف من الأرياف الخاضعة لمختلف أشكال عنف الطبيعة والبشر. لكن تكرار الحوادث وإبرازها عبر وسائل الإعلام والتي كان وراءها فعل البشر أو غضب الطبيعة أبرز أكثر فأكثر للعيان الهشاشة المفرطة للمدن التي يقطنها قسم متعاظم من سكان العالم».
ويتم التأكيد في جميع مساهمات هذا الكتاب، وبطريقة أو بأخرى، أن «جغرافية الكوارث» أصبحت أحد ميادين البحث التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام خلال العقود الأخيرة من الزمن، وخاصة منذ دخول البشرية في المرحلة التي يُطلق عليها اتفاقا بـ «عصر ما بعد الحداثة».
وذلك كون أن «جغرافية الكوارث» هذه تطرح السؤال الأساسي الخاص بالعلاقات بين الإنسان والوسط الطبيعي الذي يعيش فيه. وتكتسي هذه العلاقات أهمية ملحّة أكثر فأكثر في ظل اختلال التوازن الكبير بين «مخاطر الإفراط في الاستهلاك والمخاطر المحيطة بالبقاء». ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب كون أن المساهمين فيه يطرحون مسألة «المخاطر» على اعتبار أنها موضوع جغرافي، وإنما أيضا كقضية تتعلق بدور الثقافات الإنسانية في ظل مسارات تكنولوجية هي بصدد «العولمة».
* الكتاب: جغرافية المخاطر في العالم
*الناشر: ايلليبس
باريس 2006
*الصفحات: 501 صفحة من القطع المتوسط
La géographie des risques dans le monde
Gabriel Wackermann et®®.
Ellipse Paris 2006
105
