مؤلف هذه المجموعة الشعرية هو أدونيس، الشاعر والمفكر السوري المعروف، الذي ترشّح، أكثر من مرّة، لنيل جائزة نوبل للآداب، والذي شغل الثقافة العربية بأشعاره وآرائه النقدية وأفكاره. صدر له العديد من المجموعات والدواوين الشعرية، منها: «قصائد أولى، 1957»، و«أوراق الريح، 1958».

و«أغاني مهيار الدمشقي، 1961»، و«كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار، 1965»، و«المسرح والمرايا، 1968»، و«وقت بين الرماد والورد، 1970»، و«هذا هو اسمي، 1980»، و«مفرد بصيغة الجمع، 1977»، و«كتاب القصائد الخمس، 1979»، و«شهوة تتقدم في خرائط المادة، 1987»،.

و«احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة، 1988»، و«أبجدية ثانية، 1994»، و«الكتاب، ج1، 1995، وج2، 1998، وج3، 2002»، و«أول الجسد آخر البحر، 2003»، و«أيها الأعمى». وصدر له كذلك العديد من الكتب والدراسات النقدية، وترجم العديد من المؤلفات الشعرية والنقدية العالمية، إلى جانب مختارات شعرية عديدة لشعراء عرب، ومختارات لبعض رموز الحركة النهضوية والإصلاحية العربية.

وفي مجموعته الشعرية الجديدة «تاريخ يتمزق في جسد امرأة»، التي كتبها في باريس بين عام 2005 و2006، يبني أدونيس عالماً بكل تفاصيله، الصغيرة والكبيرة. عالماً يجتاحه المدّ الغامر، ويعلوه موج هادر في بحر من التوق والرغبة، لترتعش الأيدي والأصوات.

ويجتاح شعره أرضاً بكل نباتها وثمارها وبراريها في قصيدة طويلة، متعددة الأصوات، نسيجها بنية درامية، أفقية الامتداد، وعمودية المشهد، تنشغل في الحفر على محاور متعددة، ويجمعها صوت المرأة في نقطة مركزية، حيث تنطلق منها الكلمات والأشياء وتتغذى، معلنة حكايتها المستقلة عن تغيرات الوتيرة، وعن شدة الإيقاع، وعن مسار البنية الشعرية كذلك.

ونعثر في استهلال القصيدة الأدونيسية الجديدة على «سيرة امرأة عبدة وابنها نُفيت، لا لشيء سوى أنها كسرت قيدها». ومع التقدم في قراءة القصيدة تتكشف السيرة عن معاناة «امرأة حيّة - ميتة» حسبما يرد على لسان الرّاوية، ويتولى صوت المرأة تجسيد عذاباتها وحكايتها مؤلفاً بؤرة القصيدة ومركزها، فيما تتوزع الأصوات الأخرى ما بين الرجل والجوقة والرّاوية وأصوات بعض الناس.

تقترب القصيدة من مسرحية شعرية، يتضافر فيها الكلام والصدى، وتهرب الكتابة فيها من الكلام كي تسجل تاريخاً رأى فيه أدونيس أنه يتمزق في جسد امرأة، لكنه يتعدى تاريخ المرأة إلى ما آلت إليه صورتها في تاريخ البشرية بشكل عام، وما بات عرفاً سائداً في منطقتنا، أو «شرقنا» بشكل خاص، حيث التاريخ يمضي ولا يمضي، من غير هدى ولا صواب، وحيث تتكاثر الأسئلة، وتتوالد الأصنام، ويتناسل الطغاة، ويزداد جبروت الحكام.

وحيث الغائب المضيء لا يضيء، الغائب - المنتظر، الذي لا يجيء، وبيأس شديد تتوسل المرأة إليه بالقول: «لماذا لا تجيء إلينا لا لتشهد أوجاعنا. أو ترى فقرنا ومراراتنا/ لماذا أيها الغائب المضيء الذي لا يضيء غير أوهامنا، /غير ما لا يضاء، /لماذا لا تجيء إلينا لحظة الجب -جنساً وترى كيف تغدو المسافة أضيق من نقطة،/ وأوسع من كوكب./ ولماذا، لا ترى كيف نُوغل في جسدينا نتوحد».

فنياً، تمتلك القصيدة طابعاً خاصاً، حيث تتوزع إلى مجموعة قصائد ذات بنى متعددة، تتخذ من نظم التفعيلة أو الشعر الحرّ مرتكزاً لها، وتغرق في الجماليات والإحالات الرمزية والغامضة، حيث تغوص في أمكنة مختلفة وفضاءات متعددة، وتتوزع فيها الأصوات - القصائد واللوحات الشعرية بشكل مدروس، لتخرج بلغتها الخاصة، وتبني عالمها الخاص بصرف النظر عن إشكاليات الشعر وأسئلته في عالم اليوم، وبصرف النظر كذلك عن إيقاع زماننا الراهن وقضاياه العديدة والعويصة.

نحن أمام نص مشهدي، يستنفر تفاصيل كثيرة، ويرتفع بها شعراً يحاكي الجسد في امتداداته، ليبرز إحساس بمفهوم عن الجسد، يباري به الشاعر الصراع الأزلي ما بين السماء والأرض، وسنوات من القهر والموت والعبودية، ويحفر في السديم مكاناً خاصاً يتميز به، ويميزه عن غيره.

وتصطف الحشود في المشهد: الكتاب، والشهوة، والفاكهة، والقعود، والنهوض، والكون، والخبز، والخمر، والماء، والعلماء والشعراء، والليل، والباه، والحي والميت، والحاضر، والغائب، وتتراكب الأحاسيس/ المفاهيم عن الجسد، عن المرأة، عن العذابات، والتلاقي، والانكسار، والعدم، والموتى، وما يخلفه جسدان بعد التوحد، وما يخلفه عاشقان بعد لقاء، وما يتركه السديم للهشيم.

«لا كتاب. خطواتي كتابي، لغتي خطواتي. كل سطر بلاد/ أتفحص أنحاءها عشبة عشبة». هكذا، ينسج الشاعر قصيدته، ويقبل عليها مثل «عنكبوت يدّب على وجه قيثارة» ليبني معالم الجسد، ينهدم عليها كوكباً انتثر بلا تاريخه حين تتفتح في الجسد رعشة من الرعشات، وتتفرغ شحنات الصاعقة والطعنة الخالصة، فيسري الوقت دافئاً، وينتصب الجسد نسراً يحاكي السديم ويخترق المسافات.

تحتفي القصيدة بالجسد وحضوره ومثولاته المتعددة، وكأنها تعيد الاعتبار لما للجسد من تمثيلات وأحوال، بوصفه يميز الكائن البشري الحيّ، ويؤكد كينونته، لأن الجسد يعبر عن أحوال الكينونة، مركزها إن شئنا، إذ لا وجود للذات بلا جسد، فهو يتمتع بوجود، ويحضر بوصفه يميز حضور الإنسان ومثولاته.

وكانت الميتافيزيقا، عبر تاريخها الطويل، قد أحطت من شأن الجسد أمام أفضلية الروح وطهرانيتها، حيث احتلت الروح الطرف الأول في ثنائية الروح/ الجسد، وعنى «هذا تقابلاً يكشف انحيازاً سافراً، يقوم على الأفضلية والتراتبية المفتعلة، وقد نشأ في إثره، على مرّ العصور، تقسيمات وإحالات تمركزية عديدة، وسمت مجمل مذهبيات الميتافيزيقا ومنهجياتها الفلسفية منذ أفلاطون مروراً بهيغل وصولاً إلى هابرماس وليوتار وبودريار.

وكان تغييب الجسد لصالح انفصالية الروح يجري بلا انقطاع في مختلف مفاصل العلوم والمعارف والأديان، رغم محاولات عديدة للخروج من ذلك، حتى غدا اللا شعور استغياب للجسد، رغم كون الجسد سابق، قبلي، لكل فعل يصدر عن الإنسان، سواء كلامي كان أم حركي أم كتابي.

وقد حاول الفن (خصوصاً النحت) إعادة الاعتبار للجسد، فاحتفل به أيما احتفال، وشيّدت المنحوتات الجسد بمختلف تضاريسه وتفاصيله في بقاع كثيرة من العالم. كما كان للشعر شأن في التعبير عن مكانة الجسد والتغني به، بل ونقله إلى مرتبة سامية تصل إلى درجة العشق بوصفها أعلى مراتب الوله والحب.

لغوياً، الجسد هو البدن، بمعنى البادي، لهذا تسمي اللغة العربية الامتداد الواسع من الأرض: البادية، وصار البدن يُعبّر عن الجسد في تمثيله كما هو، عارياً من كل شيء. لا يمثل غير نفسه، ولا يحضر فيه سواه، وعليه تقول المرأة في القصيدة: «جسدي ما بدأت وما أبدأ/ جسدي كل ما كتبته يداي، وما أقرأ/ والذي يفتح الطريق إلى الكلمات - حبالى بأسرارها،/ وإلى الليل يسبح في ماء تاريخه،/ جسدي لا سواه./ جسدي ما أراه وما لا أراه».

عمر كوش

* الكتاب: تاريخ يتمزق في جسد امرأة

*الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2006

*الصفحات: 135 صفحة من القطع المتوسط