مؤلف هذا الكتاب هو الباحث توماس ستريسكوت المختص بشؤون الفاتيكان والقضايا الدينية للمسيحية الكاثوليكية، وهو يقدم لنا صورة متكاملة عن البابا الحالي الذي يشغل وسائل الإعلام بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. فمن هو هذا البابا يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب عنه المؤلف قائلا ما معناه:

ولد جوزيف راتزنجير الملقب حاليا بالبابا بينديكتوس السادس عشر في قرية صغيرة بإقليم بافاريا في ألمانيا عام 1927 وفي السادس عشر من شهر أبريل على وجه التحديد. وكان والده ضابطا في البوليس الألماني وكاثوليكيا ملتزما بشعائر دينه ومتحمسا جدا. ومعلوم أن ألمانيا كانت ولا تزال مقسومة إلى قسمين من الناحية المذهبية: قسم بروتستانتي في الشمال أساسا وهو يشكل أغلبية نسبية، وقسم كاثوليكي متواجد في الأقاليم الجنوبية عادة.

ولهذا السبب فإن الصغير جوزيف راتزنجير ورث عن عائلته العداء المذهبي للبروتستانتيين، وسوف تلاحقه هذه المشاعر المذهبية زمنا طويلا وربما حتى اليوم. فالبروتستانتيون يتهمونه بأنه لا يحبهم حتى بعد أن انتخب بابا للفاتيكان.

ثم يردف المؤلف قائلا: وكانت له أخت راهبة تدعى ماريا وقد كرست حياتها له حتى ماتت عام 1991. وكانت تهتم به وبشؤونه المنزلية ونظافة ملبسه وطعامه، الخ. وله أخ راهب أيضا ويدعى جورج وهو أكبر منه بسنتين ولا يزال حيا.

وفي عام 1939 دخل الشاب جوزيف راتزنجير إلى الدير لكي يتلقى التعاليم الدينية ويصبح راهبا. ولكن اندلعت في نفس العام كما نعلم الحرب العالمية الثانية، وعندئذ أجبروه على الانخراط في منظمة الشبيبة الهتلرية. وكان عمره آنذاك اثني عشر عاما فقط، ومع ذلك فسوف يعيبون عليه ذلك لاحقا، وسوف يحاول غلاة الصهاينة استخدام هذه المسألة لابتزازه والضغط عليه حتى بعد أن أصبح بابا.

ولكن البابا صرح في مذكراته بعد سنوات طويلة أنه لم يطلق طلقة نارية واحدة في حياته على الرغم من كل تلك السنوات التي قضاها في صفوف الشبيبة الهتلرية أولا ثم الجيش الألماني ثانيا. وقد هرب من الجيش قبيل استسلام ألمانيا وانهيار النظام النازي بأيام قليلة.

وعندئذ اعتقلته قوات الحلفاء عام 1945 حيث التقاه الكاتب الألماني الشهير، أو الذي سيصبح شهيرا لاحقا، غونتر غراس. ومعلوم أنه هو أيضا كان منخرطا في الشبيبة الهتلرية، وقد اعترف بذلك مؤخرا وسبب ذلك فضيحة نسبية.

ولكن اعتقاله لم يدم طويلا إذ سرعان ما أطلقوا سراحه نظرا لعدم أهميته في النظام النازي. وهكذا عاد إلى الدير من جديد لكي يواصل علومه الدينية، ثم دخل بعدئذ إلى جامعة ميونيخ حيث درس الفلسفة وعلم اللاهوت في آن معا.

وقد حضر رسالة دكتوراه تحت العنوان التالي: شعب الله وبيته في العقيدة اللاهوتية للقديس أوغسطينوس. وهو أعظم قديس في المسيحية وفي المرجعيات اللاهوتية الكبرى.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي تلك السنوات كان جوزيف راتزنجير يركب الدراجة ويجوب شوارع مدينة ميونيخ الجميلة طولا وعرضا. وكان شغوفا بالعلم لا يشبع، وقد درس الفلسفة المثالية الألمانية التي تعتبر أعظم فلسفة في العصور الحديثة. ونقصد بها تلك الفلسفة التي أسسها كانط ثم سار على إثره فيخته، وشيلنغ، وهيغل، والشاعر الكبير هولدرلين وسواهم.

وبالتالي فالرجل لم يحصر نفسه بالعلوم الدينية أو اللاهوتية وإنما تجاوزها إلى البحوث العلمية والفلسفية. ولذلك أصبح لاحقا أكبر عالم وفيلسوف في تاريخ الباباوية منذ أن كانت قد تأسست قبل ألفي سنة وحتى اليوم.

ولهذا السبب عينوه أستاذا لعلم اللاهوت في جامعة بون بين عامي 1963-1966. وأصبح بالتالي أصغر أستاذ جامعي من حيث سنه أو عمره في كل أنحاء ألمانيا. وابتدأت شهرته تصعد وتكبر شيئا فشيئا.

ثم أصبح أستاذ علم اللاهوت في كلية توبنجين الشهيرة بين عامي 1966-1969، وهي الكلية التي خرّجت سابقا الثلاثي الشهير: هيغل، شيلنغ، هولدرلين. ومن كان رئيس أو عميد الكلية آنئذ؟ إنه اللاهوتي والفيلسوف الألماني الشهير:

هانز كونغ. ومعلوم أنه اختلف معه لاحقا واتهمه بالرجعية وحذر من انتخابه كبابا في روما. ولكن يبدو أنه غير رأيه فيما بعد وتصالح معه بعد أن زاره في مكتبه بالفاتيكان. والواقع أن هانز كونغ من كبار المجددين في العلوم اللاهوتية المسيحية. هذا في حين أن جوزيف راتزنجير أصبح محافظا بعد أن كان تقدميا من الناحية الدينية والعقائدية.

ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن جوزيف راتزنجير كان تقدميا ومجددا أثناء انعقاد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني بين عامي 1962-1965. وقد دعا إلى تجديد العقيدة المسيحية لكي تساير العصر وتتصالح مع الحداثة. وأيد القرارات اللاهوتية الجريئة التي اتخذها هذا المجمع الشهير، ولكنه فيما بعد تراجع عن خط التجديد بعد أن رأى اللاهوتيين الألمان يقتربون من الماركسية ويعتنقون الأفكار اليسارية. وعندئذ خاف على العقيدة المسيحية وأصبح أكثر تحفظا أو محافظة.

وفي عام 1969 عينوه أستاذا لتاريخ العقائد في جامعة راتسبونغ الشهيرة التي ألقى فيها محاضرته هذا العام وأثارت عليه نقمة العالم الإسلامي كله. ومعلوم أن الضجة لم تهدأ كليا بعد، ولكنه في ذلك الوقت، أي قبل سبعة وثلاثين عاما، كان مجرد أستاذ لتاريخ العقائد في تلك الجامعة.

وفي عام 1977 التقى بكارول وايتاديلا الذي سيصبح بابا روما بعد عام واحد فقط، وكان لقاء ناجحا وموفقا. والواقع أنهما كانا يعرفان بعضهما البعض عن طريق المراسلة منذ زمن طويل. وكان يجمع بينهما حب الفلسفة والعلوم اللاهوتية. ولذلك عينه يوحنا بولس الثاني عام 1981 المسؤول الأعلى عن شؤون العقيدة المسيحية في الفاتيكان.

وكانت شهرته قد طبقت الآفاق بصفته لاهوتيا من أعلى طراز، ولكن المجددين خشوا من نزعته المحافظة، بل واتهمه البعض بأنه يريد أن يعيد محاكم التفتيش إلى سابق عهدها! والواقع أنه فصل العديد من المجددين من مناصبهم الجامعية بعد أن اتهمهم بالانحراف عن نهج العقيدة القويمة المستقيمة، ولذلك أصبح الكثيرون يخشونه ويهابونه ويكرهونه في الوقت ذاته.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن لم يكن أحد يشك في أهميته كفيلسوف وكعالم لاهوت لا يشق له غبار. والواقع أن سبب تشدده يعود إلى خوفه من الحضارة الحديثة التي أغرقت في الماديات والشهوات. وهو يحاول أن يقنع الأوروبيين بالعودة إلى القيم الدينية والروحية وعدم اختزال الحياة إلى مجرد متع حسية وشهوات لا تشبع ولا تنتهي.

باختصار فإنه يريد أن يعيد الشعوب الأوروبية إلى المسيحية بعد أن خرجت منها أو تخلت عنها على أثر الثورات الفكرية والسياسية الحديثة. فهل سينجح في ذلك يا ترى؟

الأمر مشكوك فيه نظرا إلى انغماس الأوروبيين في حياة الحداثة وعدم رغبتهم في العودة إلى الدين من جديد. ولكن لا أحد يعلم ما الذي سيحدث في مستقبل الأيام، فربما شبعت البشرية الأوروبية من الشهوات المادية وعادت إلى الروحانيات من جديد.

* الكتاب: البابا بينديكتوس السادس عشر

*الناشر: كتب القرن الواحد

والعشرين ـ نيويورك 2006

*الصفحات: 112 صفحة من القطع الكبير

Pope Benedict XVI

Thomas Streissquth

Twenty First Century Books-New York 2006

p.112p.112