كان كارول موزيلفسكي أحد مؤسسي نقابة «التضامن» في بولندا، وهو أحد الباحثين المختصين بفترة القرون الوسطى الأوروبية وتحديدا فيما يتعلق بالشعوب الجرمانية والسلافية. جرى انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ البولندي خلال سنوات 1989-1991. يعمل حاليا أستاذا في المعهد التاريخي التابع لجامعة وارسو وكان قد مارس التعليم في «الكوليج دو فرانس» وفي المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بباريس وكذلك في جامعة سابيينزا بروما.
«أوروبا البرابرة» التي يقصدها مؤلف هذا الكتاب هي تلك التي تسكنها الشعوب الجرمانية والسلافية، أي برأيه ذات التاريخ المختلف عن الرؤية التي تحدد أصول أوروبا في بعدين أساسيين هما اليوناني والمسيحي. ويحدد المؤلف الرقعة الجغرافية التي تقوم عليها «أوروبا البرابرة» بأنها تمتد من شرق نهر «الرين» حتى نهر الدانوب وشمال جبال الألب.وكان الأقدمون في أوروبا يطلقون على هذه المنطقة تسمية «بلاد البرابرة» ويؤكد أن اليونانيين لم يكونوا يفهمون لغة سكانها الذين كانوا يشكلون خليطا من الشعوب غير المتعلمة و«الوثنية». وبالتالي كان يتم النظر إليهم من قبل اليونانيين ومن بعدهم الرومان على أنهم «برابرة»، أي غرباء عن العالم المحيط بهم.
ويرى المؤلف أن أولئك المدعوين بـ «البرابرة» من الجرمانيين والسلافيين جسّدوا، إلى حد كبير، ما يسميه بـ «النموذج المضاد» للعالم «المتمدن». ومن السمات الأساسية التي يطلقها عليهم هي أنهم لم يكونوا يفرّقون بين «المقدّس» و«الدنيوي»، كما أن المجموعة لديهم هي التي تحظى بالأولوية وليس الفرد.
بالطبع لا يستخدم المؤلف تعبير «البرابرة» للدلالة على شعوب متوحشة أو على «غزاة» قدموا من سهوب آسيا من أجل تدمير الحضارات الإنسانية القائمة؛ وإنما يقصد بالأحرى شعوبا تتمايز عن الشعوب الأوروبية الأخرى «ثقافيا»، وبالتالي ينفي أية رؤية «ذات بعد واحد» للماضي الأوروبي؛ وذلك على أساس أن الجذور الثقافية لأوروبا هي أيضا «بربرية»، يعني جرمانية وسلافية، وليست يونانية ـ أو متوسطية ـ ورومانية ـ مسيحية. وهذا ما يجهد المؤرخون «التقليديون» أن ينفوه تماما.
إن مؤلف هذا الكتاب لا ينفي بالطبع «أوروبية» الشعوب التي يطلق عليها تسمية «البرابرة» الموروثة من الحقب القديمة، وإنما على العكس يؤكدها، مع التركيز أيضا على خصوصياتها «الثقافية».
وهو يرفض بذلك الاتجاه السائد في أوروبا بعد أن أصبحت ذات لون عقائدي «مسيحي»، إذ اعتبارا من سيادة «البعد المسيحي» ذي الجوهر الروماني أصبحت النظرة إلى أوروبا ذات طبيعة «انتقائية» واضحة إذ جرى إهمال «متعمّد»، كما يؤكد المؤلف، لمجموعة الشعوب «البربرية» التي شكّلت على مدى قرون عديدة إحدى المكونات الأساسية للقارة الأوروبية.
ويعطي مؤلف هذا الكتاب للإرث «اليوناني والروماني» لأوروبا تسمية «الإرث المتوسطي» ثم يليه «الإرث المسيحي». لكنه يؤكد بنفس الوقت أن إرث الشعوب التي لا تعود أصولها إلى «الدائرة المتوسطية» والتي كانت تسكن المناطق الواقعة على تخوم الإمبراطورية الرومانية قد شاركت هي الأخرى في نصيب لا بأس به في «صياغة» الثقافة الأوروبية. وكان الرومانيون هم أنفسهم الذين أطلقوا على تلك المناطق تسمية «البرابرة» تلك.
إن الهدف «الواضح» من الشروحات التي يقدمها المؤلف، الأوروبي-الشرقي (البولندي) والخبير في فترة القرون الوسطى، يتمثل في التأكيد على أن «التعرّف» و«الاعتراف» بواقع وجود «جذور بربرية» للثقافة الأوروبية يشكل مدخلا جوهريا لفهم واقع «التنوع» و«التعددية» التي تتميز بها أوروبا. كما أنه يساعد على فهم «التاريخ المعقد» الذي لا يزال مستمرا حتى اليوم.
وتتمثل «الأدوات» الأساسية التي يستخدمها المؤلف في تحليلاته من أجل إثبات مساهمة الشعوب غير ذات الأصل اليوناني والروماني في الثقافة الأوروبية في استخدام مناهج علم البحث في أصول الجنس البشري وتطوره وأعرافه وعاداته وعقائده ـ الانثروبولوجيا. ولا يتردد كذلك في «مقاربته التاريخية» للموضوع الذي يدرسه في «تجاوز الحدود» المتعلقة بالتسلسل الزمني. لذلك نجده يستخدم أعمالا قدمها مؤرخون في بدايات القرن العشرين من أجل تفسير نص يعود إلى القرن الثاني عشر.
هكذا ينقل المؤلف عن مؤرخ دنماركي حوارا طقوسيا جرى عام 1168 بين كاهن «وثني» وشعبه يوم الاحتفال بمناسبة نهاية جمع موسم القمح أمام معبد القرية. وكان ذلك الكاهن قد وضع أمامه رغيفا هائلا من الخبز. وسأل جماهير الشعب الحاضرة: «هل ترونني» فأجابوا:
«نعم»، فتابع الكاهن القول: «أتمنى أن لا تستطيعوا رؤيتي في السنة القادمة لأن أرغفة الخبز سوف تحجبكم عني وتمنعكم من رؤيتي، كدليل على وفرة موسم القمح». ونفس هذا الحوار ينقله المؤلف عن مؤرخ آخر، وإنما كان الأمر يتعلق هذه المرّة برجل دين بلغاري كان يتوجه بالحديث إلى أبناء شعبه في مطلع القرن العشرين بمناسبة الاحتفال بعيد القديس المحلّي.
وهذا ما يفسّره المؤلف بالقول إنه بعد ثمانية قرون بين الحدثين -الحوارين-، ورغم شيوع العقيدة المسيحية، فإن الحوار بقي واحدا تماما تقريبا، وبالتالي لم تتوصّل الثقافة المسيحية إلى الانتهاء بشكل كامل من «الإرث البربري»، الذي كان في أصل الحوار الأول قبل 800 عام.
ويصف المؤلف على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب «البنية التنظيمية» التي قامت على أساسها المجتمعات «البربرية». وهو يؤكد أن قواعد التنظيم المتبعة لدى تلك الشعوب كانت صارمة تماما، ذلك أن الأمر كان يتعلق ببقاء القبيلة نفسها وحيث كان على الأفراد أن ينفّذوا في أنماط سلوكهم المعاشية ما تطلبه مصلحة المجموعة.
وبالتالي كان يتم «استئصال» كل أولئك الذين كان يتم اعتبارهم مصدر تهديد للنظام المطبّق داخل القبيلة وذلك حفاظا على معايير السلوك التقليدية واحترام التراتبية التي تقوم عليها. هكذا كان «الرجل الحر» هو ذلك الذي ينتمي إلى مجموعة وينضوي تحت رايتها ويطبق تعليماتها ويحترم قواعدها بعيدا عن أية نزعة فردية.
هكذا كان «الإقصاء» من المجموعة أو من القبيلة، يعني فقدان المعني لصفته كـ «إنسان حر». واعتباره «ذئبا» وحرق منزله في أغلبية الحالات. باختصار «كان المطرود محكوما عليه بالموت الاجتماعي وأن يصبح حيوانا خارج العالم المنظّم والخاضع لسيطرة البشر».
وكانت المجموعة هي التي تحدد «قوانين الشرف» والتي تضّمنت الواجب المقدس للثأر بالدم أي «القايدة» لدى الجرمانيين القدماء والذي لا يزال ساري المفعول حتى اليوم لدى الألبانيين. هكذا ظلّت «الأساطير والعادات البربرية القديمة» حيّة في أعماق البشر رغم أنها مخبوءة تحت غطاء المسيحية.
*الكتاب: أوروبا البرابرة
الجرمانيون والسلافيون في مواجهة ورثة روما
*الناشر: أوبييه ـ باريس 2006
*الصفحات: 448 صفحة من القطع المتوسط
L'Europe des Barbares
Karol Modzelewski
Aubier-Paris 2006
p.448

