أجرت دافني ميركين، المحررة الثقافية بصحيفة «نيويورك تايمز» هذه المقابلة مع المسرحي الكبير سير توم ستوبارد في مسرح فيفيان بومون في مركز لنكولن بنيويورك بمناسبة إصدار طبعة جديدة من ثلاثية «ساحل اليوتوبيا» التي تضم مسرحياته «الرحلة» و«الحطام» و«الانقاذ»، وعرضت المسرحيات الثلاث على خشبة هذا المسرح.حيث ألقى ستوبارد الضوء على رؤيته لتجربة الإبداع المسرحي وما يعنيه المسرح بالنسبة له وكيف يتعامل مع مسرحياته والعالم الخلفي الذي استلهم منه أجواء ثلاثيته المسرحية الشهيرة التي تعود إلى الصراعات والأزمات والمعاناة التي عاشها المثقفون الروس في أواخر القرن التاسع عشر. وفيما يلي نص المقابلة:
أجلس بجوار سير توم ستوبارد تقريباً في الظلام، على نحو ما يليق برجل لم يعرف عنه صراحة أنه مولع بالاقتراب كثيراً منه، وقد نقل عنه قوله أنه يريد لأي سيرة حياة تكتب عنه ان:
«تكون بعيدة عن الدقة بقدر الإمكان»، وقد ترك مقعداً فارغاً بيننا، ونحن نجلس في صف للمقاعد كان يمكن من دوننا أن يكون فارغاً وسط بحر من صفوف المقاعد في مؤخرة مسرح فيفيان بومون في مركز لنكولن، وقد عكفنا على متابعة أجواء طبقة المثقفين الروسية في أواخر القرن التاسع عشر على نحو ما أبدعها خيال ستوبارد في «الرحلة» التي تشكل الجزء الأول من ثلاثيته الطموح التي يستغرق عرضها إحدى عشرة ساعة «ساحل اليوتوبيا».
تمتد «ساحل اليوتوبيا» من الناحية الزمنية عبر 35 عاماً، حيث تبدأ في عام 1833 في بريموخينو، وهي ضيعة عائلة باكونين التي تقع على بعد 150 ميلاً من موسكو والتي يعمل فيها 500 من الأقنان.
وتنتهي بعد تحولات عديدة في المكان في عام 1868 في قصر مستأجر في سويسرا، وتقدم لنا ما إجماليه 70 شخصية، بما في ذلك ست شخصيات رئيسية من الرجال والعديد من النساء، وفي مقدمة طاقم الممثلات نجمات من عيار إيمي إرفينغ وجنيفر إيل ومارتا بلمبتون، بالإضافة إلى حشد من الأطفال والمربيات والخدم.
وتدور الثلاثية حول مجموعة من الشخصيات الروسية البارزة التي تلتقي في مرحلة الدراسة في موسكو في العشرينات من القرن التاسع عشر، وكان القيصر نيقولا قد قمع بوحشية انتفاضة الديسمبريين في عام 1825.
وتستمد المجموعة التي تشمل، بالإضافة إلى باكونين وبيلنسكي، المنظر السياسي الكسندر هيرزين (الذي يلعب دوره بريان أوبراين) والروائي إيفان تورجنيف (ويؤدي دوره جيسون باتلر هارنر) والفيلسوف نيكولاس ستانكيفيتش (ويقوم بدوره ديفيد هاربر) والشاعر نيكولاس أوغاريف (ويؤدي دوره جوش هاملتون) ـ تستمد الهامها من المثل الثورية الرومانسية التي تظل معلقة في أجواء روسيا.
وشأن كل أعمال ستوبارد، فإن مسرحية «الرحلة» تحفل بالتفكير والأفكار الأثيرة بأكثر مما تموج بالناس، وهي معدة للترفيه وللتعليم ولاستقطاب جمهور المسرح في الوقت نفسه.
كان الناقد كليف جيمس قد وصف اللقاء مع ستوبارد بأنه «المقابلة الحلم، حيث يتحدث عبر جمل قابلة للاقتطاف على نحو مخيف». ولكن يبدو لي أن الطابع البارع على نحو أكروباتي لتلك الجمل هو الذي يبعد التمحيص الدقيق عما يقوله.
وعلى الرغم من أنه يبدو أن هناك شيئاً موحياً بالخجل والحياء فيه، تحت مظهره المتألق، حيث قال لي: «يقتضي الأمر بذل جهد كبير ليبدو حديث المرء متوهجاً بالحيوية، إلا أنه بعد أن يغلق الباب فإنني أشعر بوجهي يتداعى ويتساقط»، فإن ثمة عجرفة تحوم حول حواف مجاملته للآخرين، تقوده إلى الإدلاء بعبارات محكمة تحمل أجواء شخصية جريتا جاربو.
يقول توم ستوبارد: «إنني لا أسمح بإجراء مقابلات معي في ظل ادعاءات زائفة، فسوف يكون هدفي أن أبدو مضجراً بقدر الإمكان، وأنا أنزعج عندما أرى اسمي في الصحف».
وعلى الرغم من ذلك، فإن توم ستوبارد يعي تمام الوعي مدى تعقيد قصته مع الصحافة، وهو يقول في هذا الصدد: «إن تحفظي هو شكل من أشكال الغرور، وليس التواضع، وله صلة بعدم جعل نفسي متاحاً للصحافة طوال الوقت».
يمضي ستوبارد ليوضح أن عملية كتابة مسرحية هي عملية مكتفية بذاتها، وهو الأمر الذي يناسبه لأنه ليس اجتماعياً حقاً، كما يقول صراحة، ولكن المشكلة تبدأ عندما تخرج الكلمات من يده، لأنه: «عندئذ تتحول إلى شيء مفزع، إلى مناقشة للشموع وأعواد الثقاب».
وحقيقة الأمر أن ستوبارد منغمس بعمق في تسهيل انتقال نصوص مسرحياته إلى خشبة المسرح، وهو يقول في غمار حديثه عن المنهاج الذي يتبعه في هذا الشأن: «الأمر يعادل صانع الفخار والطين، وأنا أحب وضع يدي في الطين، ومن الواضح أن هناك الكثير من الكتاب الذين يرسلون مسرحياتهم بالبريد.. حيث تظل كما كتبوها، حسبما يقال لي، وأعتقد أنهم تفوتهم طرافة الأمر كله، فأنا أغير الأشياء، لأدرج شيئاً في توالي المشاهد، أو شيئاً في عناصر الإضاءة بمزيد من السعادة».
ويتابع ستوبارد: «إنني أحب أن أكون جزءا من معادلة العمل المسرحي، ولست أريده أن يكون ما يحدث لنصي، فأنا أحب أن يكون النص جزءاً من الطين الذي يجري تشكيله».
ويشدد ستوبارد في هذا الصدد على أن: «المسرح قالب فني تجريبي، وإذا لم يثبت نجاحه، فإننا نبادر إلى تغييره».
على الرغم من أن ستوبارد قد رفض الرد على أسئلة «استفتاء بروست» في مجلة «فانيتي فير» لاتسامها بالطابع الشخصي، فقد غامرت بسؤاله: «هل تعرف ما الذي تكرهه في نفسك؟». فيتوقف لحظة، وينظر إليّ نظرة حادة، ويقول وقد بدا أن السؤال قد أزعجه: «طيب، نعم، يمكنني الإدلاء برد على هذا السؤال فيما بعد».
ولدى محاولتي القيام بالمزيد من السير في هذا الاتجاه، وصلنا إلى مناقشة مقاومة ستوبارد للتدقيق في ذاته، وهو الأمر الذي عزاه الناقد كاري بيرلوف إلى «الجانب الإنجليزي» في ستوبارد، وهو الأمر الذي أجده محيراً في رجل يتمتع بعملية التأمل، ويقول ستوبارد في هذا الشأن: «إنني على شيء من التشكك في كرهي للذهاب إلى طبيب نفسي، وربما كان معنى ذلك أنني بحاجة إلى الذهاب إلى مثل هذا الطبيب».
ولاشك في أنه كان يجاملني بقوله هذا، بالطبع، فلست أعتقد أنه فكر أكثر من لحظة في العلاج النفسي وعملية التحليل للدقائق والخبايا والأسرار الذي ترتبط به، وهو الأمر الذي أكدته عبارته التالية، حيث بادر إلى القول: «إن عدم ميلي إلى تحليل نفسي يشير إلى أنني لن أدفع لشخص آخر للقيام بذلك».
إن الحقيقة القائلة إن الجانب السفلي والمتردي من التجربة الإنسانية يبرز بصورة متزايدة في رؤية ستوبارد يشير إلى أنه أكثر استعداداً من أي وقت مضى لمواجهة الفضاء التاريخي للضياع والاقتلاع من الجذور. وثلاثية «ساحل اليوتوبيا» تتصدى لمحنة النفي وتراها بعين لماحة ولكنها متعاطفة في الوقت نفسه. وإذا لم تكن مشغولاً أكثر من اللازم بالاستمتاع ببراعة ستوبارد على امتداد «اليوتوبيا» .
وبقدرته المدهشة على ضم الأجزاء المتناثرة معاً في هذه الثلاثية فقد تلاحظ أن ما يربط الجميع وكل شيء هو شعور بفقدان لا يتم الإفصاح عنه وبوجع قلب لا يجري التركيز عليه يتخللان كل الحوار المتألق والحركة النشطة دخولاً وخروجاً من الرومانسية والثورة بمناخ من الغسق التشيكوفي وحزن موجع يحجب عن العيان.
منى مدكور
