تشكل ثلاثية توم ستوبارد «ساحل اليوتوبيا» عملاً صرحياً هائلاً يمتد عبر «الرحلة» و«الحطام» و«الإنقاذ» التي يمتد عرضها على خشبة المسرح عبر إحدى عشرة ساعة كاملة، ولا يكاد يكون لها نظير في المسرح الحديث بكامله.

تستكشف الثلاثية آفاق حياة مجموعة من الأصدقاء الذين يشبون عن الطوق في ظل أوتوقراطية القيصر نيقولا الأول، والذين صيغ اصطلاح «الانتلجنتسيا» للتعبير عن عالمهم ويبرز من بينهم الفوضوي مايكل باكونين، الذي تحدى كارل ماركس في غمار السعي لاستقطاب الجماهير.

وإيفان تورجنيف الذي ألف بعضاً من أبرز أعمال الأدب الروسي استمرارية في فرض حضورها، والناقد الشاب المتألق فيساريون بيلنسكي، والكسندر هيرزين المنظر الاشتراكي البارز، الذي يصبح بمثابة البؤرة الرئيسية لهذه الدراما السياسية الحافلة بعناصر الحب والفقدان والخيانة.

ويقدم ستوبارد في هذا العمل فحصاً ملهماً لدقائق الصراع بين الفوضوية الرومانسية والمثالية الطوباوية والإصلاح العملي في إطار هذا السرد لحياة حشد مميز من الرومانسيين والثوريين.

ويلفت نظرنا في مسرحية «الرحلة» التي تشكل العمل الأول في الثلاثية أنها تحفل بالتغيرات الزئبقية في الحالات النفسية والأفكار التي تنبع من كون الغالبية الكاسحة من الشخصيات شبابا يعيشون في مرحلة من التحولات السريعة والمتتالية، ويسودها الإحساس بأن كل شيء ممكن وأنه ما من شيء ممكن في الوقت نفسه، وهكذا فإننا أمام عمل يحفل بتجليات آلية هائلة تسمح لطلاب جامعيين بالحديث حتى الفجر عن أفكار يوقنون بأنها لم تخطر على بال أحد من قبل قط.

تقع أحداث «الرحلة» بين عامي 1833 و1844، وتسلط بؤرتها على عائلة باكونين التي تتمتع بقدر هائل من الثراء يضرب جذوره في ملكيتها للأرض والأقنان على السواء، حيث نجد على رأسها الأب الكسندر والابن مايكل الذي يحظى بمحبة أخواته الأربع واعتزازهن.

ينقل مايكل باكونين إلى أخواته فيضاً من أفكار كبار الفلاسفة الأوروبيين، وفي مقدمتهم فيخته وشلنغ وكانت وهيغل، وتدور أحداث النصف الأول من المسرحية في ضيعة باكونين الريفية، التي ينزل بها أصدقاء مايكل قادمين من موسكو، ليقلبوا كيمياء الضيعة الجنسية وحياتها اليومية رأسا على عقب. وكما يعبر أحد هؤلاء الزوار فإن الضيعة هي حلم يسمح لك «بالاعتقاد بإمكانية الهرب والتجاوز».

في «الرحلة» يقع الناس في هوى بعضهم البعض وفي هوى الأفكار والنظريات، ويسقط الكثير منهم مريضاً أو يلقى حتفه، ويصبح بعضهم رؤساء تحرير وكتاباً في صحف متطرفة تناصب الحكومة القيصرية العداء ولكن معظمهم يتحدثون فحسب عن تخلف روسيا الثقافي وعن تشكيل التاريخ وعن طبيعة الواقع.

وتستهل المسرحية بصورة فذة لرجل معلق في كرسي في الهواء، هو هرزين، في حالة من التأمل الصارم، يبتلعه ما يبدو أنه موجه من أمواج مد المحيط. وهذه الصورة تكرس الإيقاع لعمل مسرحي فريد يغلب فيه اندفاع الواقعي على النظرية الثقافية.

وذلك هو الصراع الذي يشكل معظم أعمال سير توم ستوبارد، بما في ذلك العملان الآخران في ثلاثية «ساحل اليوتوبيا» والعديد من الأعمال الأخرى مثل «الشيء الحقيقي» والمسرحية السياسية الغنائية «روك أند رول»، وفي كل هذه الأعمال نجد أنفسنا أمام أناس عقدوا العزم على المضي في حياة فكرية، لكنهم يواصلون اكتشاف أن الحياة لها ذهن خاص بها لا يفتأ يقتحم عليهم عالمهم ويقاطع مسيرة هذا العالم.

وشأن العديد من أعمال ستوبارد، فقد واصل ادخال التعديلات على الثلاثية، ليختزل جانباً من النقاشات الفلسفية، الأمر الذي قد يخفف من التعقد الأكاديمي للنص ويزيد من قوة اندفاع العمل اللاهثة.

وعلى الرغم من أن شخصية هرزين هي التي تهيمن على الثلاثية بكاملها، فإن، باكونين وصديقه بيلنسكي هما اللذان يحددان الإيقاع النشط وخاصة في مسرحية «الرحلة».

ومن المهم ملاحظة أنه عندما يقلب القارئ الصفحات الأخيرة لـ «الرحلة» ليصل إلى سطورها النهائية، فإنه يساوره الشعور بأن رواية سميكة قد انتزعت من بين يديه انتزاعاً، ومن ثم يتوق إلى استردادها، ليلتهم سطور «الحطام» ومن ثم «الإنقاذ».

يبقى من المهم أن نتذكر، أخيراً، أن توم ستوبارد يعد في نظر الكثير من النقاد أبرز كتاب المسرح في جيله وثلاثية «ساحل اليوتوبيا» عمل هائل ربما كان يمكن بين يدين أقل اقتداراً من يري ستوبارد أن يضل الطريق، ويتحول إلى عمل مضجر وبعيد عن القدرة على استقطاب القراء والمشاهدين على السواء، لكن ستوبارد يفلح باقتدار في تحويل ما كان يمكن أن يكون درساً تعليمياً مؤلماً في التاريخ إلى تصوير مفعم بالحياة للعشق والايديولوجية والفقدان والتغيير.

ومن الواضح أن مسرحية «الحطام» هي بشكل حاسم المسرحية الأكثر تراجيدية في الثلاثية، حيث نجد أنفسنا أمام فقدان البراءة والمصارع المأساوية للعديد من الشخصيات، وتمنح شخصية بيلينسكي بشكل خاص شرارة من التألق للمسرحية بكاملها، ويعد سعيه اليأس للعثور على إجابة عن الأسئلة التي انفق حياته في طرحها من أكثر المؤثرات تأثيراً في قلب القارئ والمشاهد على الاطلاق.

أخيراً لابد أن نلاحظ أن التاريخ في الثلاثية بكاملها ليس مهيمناً على رسم الشخصيات وليس ثانوياً بالنسبة إليه في الوقت نفسه، حيث إن ستوبارد يجعل من الأحداث التاريخية التي نعرفها أو التي قد لا نعرفها جزءاً لا يتجزأ من حياة عدد من أعظم مفكري روسيا ومبدعيها.

* الكتاب: ساحل اليوتوبيا

*الناشر: جروف برس

نيويورك 2006

*الصفحات: 384 صفحة من القطع المتوسط

The Coast Of utapia

Tam Stoppard

Grove Press N.Y.2006

p.38