صدر في الجزائر الجزء الأول من مذكرات الطاهر وطار «أراه...» يتمحور هذا الجزء من المذكرات حول حادثة «الإحالة السياسية» لصاحبها على «المعاش» أو «الشيخوخة المبكرة»، كما يسميها، من جهاز حزب جبهة التحرير الوطني في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن الماضي؛ ظروفها، وردة فعل الطاهر وطار إزاءها وانعكاسات ذلك على مساره السياسي والثقافي.

يحرص وطار في تناوله ظروف إحالته على المعاش «إحالة سياسية واضحة بينة» من حزب جبهة التحرير الوطني، الذي كان يشغل فيه منصب مراقب وطني، على إفادة القارئ وتنبيهه أولا، إلى «مراسلات العسكر» التي تشكو «مما ورد في قصة «الزنجية والضابط» المنشورة في مجلة «الآداب» البيروتية.

وتلفت النظر إلى وجود عنصر خطير ضمن إطارات الحزب». وهذه المراسلات لا تخلو، عادة، من أهمية قصوى سواء بالنسبة إلى من توجه إليهم، أم بالنسبة إلى موضوعها.

ثم ما بالنا إذا صادفت اتفاقا في الرؤية لدى مسؤول جهاز الحزب الذي «يفضل وجود مشعوذ يكتب الرقى والأحجبة في صفوف جبهة التحرير الوطني على وجود شيوعي...». وهو ما يفهم منه أن الظروف ناضجة مبدئيا لاتخاذ أي إجراء في غير صالح المشتكى منه.

وللولوج إلى قلب الأزمة يحط وطار رحال سرده في النقطة الملتهبة فيها. وهي مؤتمر الشبيبة الخامس؛ حيث يقول «..، وفي هذا المؤتمر انتهت علاقتي الشكلية بحزب جبهة التحرير الوطني. أحرقت سفني ونحرت إبلي وجعلت العدو أمامي والعدو خلفي والعدو على جنبي.

ولا بحر حولي أهتم بأمره...» ثم يضيف «أحرقت سفني، نحرت إبلي، وسواء وشى بي الحاج عمارة (شقيق مساعديه) أم لم يش، وسواء أتخليت عن العقل، الذي أوصاني الرفيق صايفي بالوفاء له، أم لا، فقد اصطدمت مباشرة مع محمد شريف مساعديه في الميدان». ولكن كيف حدث ذلك؟

تفيد المذكرات بأن ذلك حدث عن طريق التصميم على فتح النقاش عكس رغبة «أنصار الصمت» في قيادة الحزب. لقد كان وطار يتساءل عن جدوى مؤتمر للشبيبة لا يفتح فيه المجال لتضارب الآراء ومناقشة قضايا المشروع الاشتراكي الجاري تنفيذه في المجتمع. وبالتالي تلاقح الأفكار في اتجاه تعزيز مسار المشروع. غير أن الكلمة الأخيرة كانت في النهاية لصالح صف وطار، حيث فتح مجال النقاش وقرأ وطار قصيده الشعبي الذي من بين ما يقول فيه:

«هذا خامس مؤتمرات..

نجمة ضواية في السما تعلات..حمرا بدم الشهداء توضات...»وبعد هذه الحادثة، لم يبق على جهاز الحزب، حسب المذكرات، سوى فتح «ملف الطاهر وطار» بجميع صفحاته السياسية والثقافية. وهنا يشير صاحب المذكرات إلى «قضية استقبال الوفود الشيوعية العربية في بيتي عندما تزور الجزائر وغيرها». الأمر الذي جعل المسؤول الأول على الحزب في ذلك الوقت يعلق بالقول: «جبهة التحرير تدعوهم ووطار يجتمع بهم».

أما فيما يخص الصفحات الثقافية للملف فيذكر وطار قضيتين هما «مشروع تحويل روايته الزلزال إلى فيلم»، وقضية رفض تزكيته لجائزة «اللوتس» التي كان يرعاها الاتحاد الآفروآسيوي للكتاب. المشروع الأول انتهى إلى الفشل بسبب اعتراض مسؤول اتحاد الكتاب الجزائريين، وهو مستشار لرئيس الحزب، عليه، بسبب انتماء كاتب الرواية للشيوعية. أما الثاني فبسبب عدم مساندة مندوب اتحاد الكتاب الجزائريين لمرشح الجزائر الذي لم يكن غير الطاهر وطار.

حينما يصل وطار إلى نقطة الإحالة على المعاش يعلق بالقول: «وضعنا سي محمد شريف في كيس واحد ورمانا في المزبلة». فلقد قضي الأمر إذن: «مبروك عليك لقد سرحوك... إلى الخلف در !..».

وهنا يفيد وطار في مذكراته بأن مسؤول الحزب... راح يرتب شؤون زملائي. ولا شك أنه كان يستقبلهم بعيدا عن الأعين، بينما تعرضت أنا للجوع... وها، إنني أنتحر هاهنا في شاطئ بن حسين في منزلي الصيفي، هذه 22 سنة خلت.

وعن تفاصيل «مشروع الانتحار يقول وطار في مذكراته: أحضرت معي قنينة الحامض، خلطت كمية منها بالنبيذ في انتظار عملية الرحيل إلى العام المريح، فتنفرج كربتي نهائيا.

بهذه الوسيلة التي هيء لي أنها المثلى. إذ يكفي أن أغمض عيني وأن أعب كأسا في بطني، ثم أتوجع منتظرا الحدث السعيد: العبور إلى ما وراء الجدار. جلست مستندا إلى الجدار وقارورة الخليط السعيد أمامي...» وهنا تفتح المذكرات مجالا للانخراط في سرد الظروف القسرية التي وجد وطار نفسه فيها، والتي كانت تحتم عليه اختيار واحد من ثلاثة حلول هي:

إما الاستسلام للنوم والكسل ورائحة المطبخ، والانتقال إلى ممارسة التجارة والزواج والأولاد... وإما التحول إلى سكير مدمن والتعجيل بما تبقى من أيام الشيخوخة المبكرة المفروضة عليه،

وأخيرا الانتحار. وهو الأمر الموشك على الوقوع.

وهنا يعلق وطار قائلا لا بد من إيجاد مخرج ما. لا بد من هيكلة جديدة لهذا الحزب الشيوعي- الطاهر وطار مع الاحتفاظ بخليته الوحيدة. وقبل اتخاذ القرار ومباشرة التنفيذ يطرأ الطاهر وطار على نفسه في هيئة فنان أديب ساحبا إياه إلى الوراء إلى هناك حيث البداية... إلى دار الحاج محند أونيس..

. وفي ومضة من ومضات الحلم، يستهلك وطار فيها ما يقارب المئة صفحة من السرد الجميل المتسربل بشؤون الطفولة ومشاغلها، متدرجا شيا فشيئا في اتجاه استعادة الذاكرة العامرة بتفاصيل الحياة من مظاهرها الطفولية البسيطة في القرية المنشأ إلى تعاليق المثقف المدقق في مجالات الأنساب والفيلولوجيا والأنتروبولوجيا الثقافية والجغرافيا الخاصة بعشيرته ومنطقة منشئه...

وهو ما يجعل المذكرات بحق، كما سجل الأديب عزالدين ميهوبي، سجلا «يتناول التاريخ بتجلياته والأفراد بأمزجتهم والسياسة بألاعيبها والكتابة بمتاعبها والنضال بانحرافاته والعلاقات الإنسانية باختلاف أهوائها كما لو أن حياة كل إنسان ليست أكثر من دراما فيها شيء من الملهاة والمكابدات..».

وهنا ينفتح أفق حياة الطاهر وطار انفتاحه على الحياة عبر المذكرات عوض أن ينفتح على مآل غير محمود، كما ينفتح مرة أخرى، وأحمد، عشير المؤلف في منزله الصيفي، يوقد النور فقابلته القنينتان، وقابلني ، يقول الطاهر وطار، أنا ديوان فرانسيس كومب ممتهنو الربيع فمددت يدي أتصفحه، بعد أن قررت أن أترجمه. وهكذا ابتعد شبح الانتحار نهائيا، وخلفته مهمة جديدة هي التفرغ للأدب وللثقافة العربية في هذا البلد المستهدف.

وهكذا أيضا «بعث مسؤول الحزب الطاهر وطار إلى الجحيم فوجده ينبعث في النعيم، ولسان خياله يشير له ب: أن كل مسؤول يعين على رأس الحزب وحيد الخلية عبارة عن هداد يحرش الفحل المستسلم للإرهاق متوسلا: زررر، جيب عشاك وعشانا».

مراد الطرابلسي

* الكتاب: مذكرات الطاهر وطار (الجزء الأول)

*الناشر: دار الحكمة

الجزائر 2006

*الصفحات: 300 صفحة من القطع الكبير