مؤلف هذا الكتاب يوسف الفيصل الأمين العام للحزب الشيوعي السوري المنشق عن خالد بكداش وسُمي حزبه جناح يوسف الفيصل، يروي فيه عبر أربعمئة وتسعين صفحة وعشرات الصور ذكرياته ومواقفه بدءاً من ذكريات طفولته التي بدأت من فبراير 1924 يوم ميلاده حتى المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري 1969. ومن الصدف أن ولادة يوسف الفيصل (الصيدلي) 1924 هو نفس العام الذي انطلق فيه هذا الحزب في سوريا ولبنان كحزب واحد قبل انقسامه فيما بعد.

سجل صاحب الذكريات مرحلة مهمة من تاريخ سوريا المعاصر وخصوصا ما بين 1946 حتى 1969 عرّف فيه عن تاريخ أسرته ومكانتها في مدينة حمص السورية وأنها ذات تقاليد وانتماء ديني إسلامي اقرب إلى الحوار والتسامح منه للتعصب ومع ذلك أصبح شيوعيا ماركسيا وهذا معناه أن جوّاً من الحرية يسود تلك الأسرة جعله يختار طريقه السياسي.

قارئ الذكريات تعود به الذاكرة إلى كتب صدرت في سوريا ولبنان سجلت تاريخ تلك الفترة المهمة من تاريخ الحزب فترة المخاض السياسي بعد فشل حلم فيصل الأول بن الحسين، وبداية الاستقلال عن الانتداب الفرنسي وبناء سوريا الحلم العربي والقومي.

يوسف الفيصل كان صريحا وواضحا في وثائقه وذكرياته حين وضّح أن قرارات القيادة الشيوعية كانت تنفذ ولا تعارض أبداً المركزية في القرار هي الأساس حتى على مستوى اختيار طريق العلم كما فعلوا معه وقرارات أخرى تساهم في اختيار طريق الحياة.. حتى على مستوى الزواج.لا نقاش في القرار وتنفيذه دون اعتراض..

وهو ما سماه يوسف «الكهنوت الشيوعي» وهو ما عُرف بفروض الأصولية الشيوعية التدخل في كل مفاصل حياة العضو.. ويكشف في ذكرياته الانقسامات التي مرت على الحزب وقياداته منذ قيام الكيان الصهيوني والمواقف تجاه الأممية ومواقف الأحزاب الشيوعية من إسرائيل وما جرى من شرخ تجاه هذه المواقف وكيف أدت للفت أنظار الشارع العربي تجاهها.

وكيف هاجم السوريون بعد قرار التقسيم عام 1947 مكاتب الحزب.. وكيف وقف قادة شيوعون «فرج الله الحلو ـ رشاد عيسى» ضد قرار التقسيم ورفضا موقف الحزب وطالبا بإدانة القرار وضد إسرائيل وهذا موقف دفعا ثمنه فيما بعد حين اعتبرا أنهما خرجا عن القرار الجماعي الشيوعي.

ويؤكد يوسف الفيصل أن زعيم الحزب آنذاك خالد بكداش رفض تصرفات عيسى والحلو وتم فصلهما لمدة سنة من الحزب تحت بند الانحرافات القومية البرجوازية، كذلك يذكر فيصل أن الهيمنة على قرارات الحزب الشيوعي السوري من قبل خالد بكداش كما ظهر مع المحامي نجاة قصاب حسن حين وقف مع (فرزت المملوك) في انتخابات دمشق وتم فصل (نجاة قصاب حسن) بقرار تعسفي متطرف. عاد للحزب فيما بعد عام 1987 وبقرار من قادة الحزب تكفيراً عن قرار الفصل.

وحول قرارات بكداش المتفردة التي صبغت الحزب الشيوعي خلال أكثر من ربع قرن يذكر أن بكداش قال «إذا كنا بحاجة لرفيق مسؤول وكان أمامنا اثنان رفيق مثقف وغير شعبي، ورفيق أمّي جاهل ولكنه شعبي، فمن نختار..نختار الأمي بالطبع.

ويعقب يوسف الفيصل:باعتقادي أن هذه الروحية طبعت عمل الحزب لفترة طويلة وهذا ما أدى لعدم ظهور مثقفين كقادة للحزب الشيوعي.

ويؤكد أن الحزب وقع في عدة أخطاء نتيجة لنقلة الستالينية على الواقع السوري. كنا مخطئين كشيوعيين سوريين من مواقفنا من البرجوازية الوطنية، فهي زعيمة حركة التحرر من الاستعمار. كما يذكر ما قاله خالد بكداش مؤكدا لهذا الالتزام الخاطئ «نحن مع الاتحاد السوفييتي على الخطأ والصواب» صفحة 159 وهذا ما دفع الأطراف السورية بكل أطيافها ليوجهوا الاتهامات بالعمالة والتبعية الكاملة العمياء لموسكو.

ويسترسل صاحب المذكرات بشفافية المجرب السياسي ما رآه في الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه انه استغرب أن دولة وصلت للقمر قبل الغرب.وأمامه يقف الناس بطوابير لشراء قرن من الموز أو يتشارك اثنان على موزة واحدة.

ويقول نحن في سوريا كنّا آنذاك نخزن المؤن في منازلنا والرخاء الاقتصادي يشمل الجميع. ويتساءل هذا الشيوعي القيادي لماذا أمام هذا الوضع المأساوي في الاتحاد السوفييتي عن طبقات الشعب، لماذا الاتحاد السوفييتي العظيم، ولماذا ثورة أكتوبر العظمى ولماذا الأقمار والسلاح والصواريخ النووية، لماذا كان الشيوعيون يخفون السلبيات تحت قمصانهم الداخلية، لماذا سقط السوفييت أمام الجينز والشكلس والهمبرغر وأقلام الميكياج الآتية من الغرب الرأسمالي، أسئلة أجاب عنها بكل شفافية وصدق بالرغم من محبته للشعب الروسي والسوفييت عامة.

في فصول مهمة من الكتاب ناقش يوسف فيصل عبر ذكرياته ووثائقه قضايا الانقلابات العسكرية السورية وموقف الحزب منها ومن صانعها أكرم الحوراني الزعيم الفلاحي في حماه والصراع ما بين حزبه والحزب الشيوعي ،من يسيطر على اكبر شريحة من الريف السوري «فلاحين».

ومن يسيطر على المدينة «عمالاً» كذلك موقف الحزب من الوحدة الوحيدة عربياً مصر وسوريا والصراع مع عبد الناصر وعدم الانضمام إلى دولته وتحت جناحيه وكيف استغل هذا الموقف لضرب الحزب جماهيريا وكما يقول الحوراني في مذكراته «ضُرب الحزب الشيوعي بحجة كاذبة وان الحزب يسعى من وراء تحالفه مع السياسي السوري خالد العظم للوصول للحكم وإبعاد عبد الناصر عن دمشق» .

وهكذا اتخذ عبد الناصر قرارا بإبعاد الفريق الشيوعي عفيف البندرة عن قيادة الأركان السورية وتم حلّ كل الأحزاب السياسية بما فيها حزب البعث ولكن القيادة الشيوعية رفضت الحلّ متمثلة بالشيوعي الحلبي أحمد محفل الذي رفض مع زميله جورج عويشق طلب عبد الناصر ممّا أثار غضب الزعيم المصري وأركان دولته.

يقول يوسف الفيصل دفعنا ثمنا باهظاً، فكانت السجون والزنازين وحفلات التعذيب عبر أقبية نظام الوحدة وزبانية عبد الحميد السراج.. وسقط شهداء الحزب (فرج الله الحلو ـ سعيد الدروبي ـ بير شدرفيان ـ جورج عدس..الخ) وما يثير انتباه القارئ التفاصيل المهمة لعملية تعذيب وقتل فرج الله الحلو أوصلته للموت بيد جلاده ثم تقطيعه وتذويب جسده بالأسيد ورميه في نهر بردى.

ويقف يوسف الفيصل أمام أحداث الانفصال عن مصر ويقول إن بيان الحزب في صبيحة الانفصال عبّر عن فرحه من الانتهاء من التسلط المصري والديكتاتورية المخابراتية آنذاك وان الجيش العربي السوري أنقذ البلاد من الفراعنة الجدد (صفحة 361) ويتابع أن معظم القادة الشيوعيين السوريين عادوا من الغربة .

وأطلق سراح كل المعتقلين من أقبية عبد الحميد السراج، وسلط يوسف الفيصل الضوء على عدوان 1967 وكيف قام السوفييت بإعادة البناء العسكري لسوريا ودعمّ البنية التحتية للاقتصاد السوري وعلى رأسها اكبر مشاريع الري سد الفرات ثم العلاقة مع حزب البعث والتقارب والاختلاف والاتفاق.

ويؤكد يوسف الفيصل في ذكرياته هذه أن الحزب الشيوعي السوري ومنذ انطلاقته عام 1924 كتنظيم سياسي فاعل في النسيج السياسي السوري كان ولا يزال يشكل مفصلا في الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي تاركا أثراً واضحاً في ذلك.

وضاح محيي الدين

* الكتاب: ذكريات ومواقف

*الناشر: خاص ـ دمشق 2006

*الصفحات: 490 صفحة من القطع الكبير