مؤلف هذا الكتاب هو علي محمد اسبر، أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق، له العديد من الدراسات والكتب. ويأتي هذا الكتاب بعد كتابيه الأخيرين، (الوجود ومفسروه)، (وفلسفة العالي والمتعالي). ليستكمل طرحه لمسائل فلسفية شائكة مازالت غائبة عن عالمنا العربي الذي تسوده ثقافة تابعة. مما يجعلنا بحاجة إلى رفع الموانع والحواجز أمام البحث الفلسفي (الأنطولوجي) ليؤدي وظيفته الخاصة به.
والتي ينفرد بها بتمييز الواقعي عن الوهمي، والوجود عن العدم، والحقائق عن الأكاذيب. إذ ان الأنطولوجيا هي علم الوجود وأحكامه، أو معرفة الوجود بما هو وجود، وتمييزه عن العدم وأحكامه. لأن الحياة لا يمكن أن تتكشف من حيث معناها الحقيقي والنهائي، إلا من خلال التفكير الحر الأصيل الشجاع نحو الموجودات، من اجل اكتناهها بما يساهم في تبيان عللها وغاياتها والأصول التي تصدر عنها.
وهذا الكتاب - كما يقول المؤلف - هو مجرد بداية، تهدف إلى تأصيل العدم في الوعي العربي بوصفه منبثقا فريدا للتفلسف. فالعدم هوا لدافع للتفلسف والعلة الأساسية في توجيه الإنسان نحو اللا وجود الذي ينطوي من حيث معناه على كل أشكال البقاء المتساوق مع الفناء. والفناء الذي لا يمكن للبقاء أن يكون له أي معنى بمعزل عنه.
ومسالة قِدَم العالم من أهم المسائل الفلسفية الكبرى التي شغلت بال الفلاسفة منذ بدايات التفلسف. والتفلسف هنا يعني الإجابة على السؤال الفلسفي الكبير وهو: لماذا أنا موجود ولماذا وُجد العالم؟ وما هو المبدأ الخالق للأشياء؟ ومن أجل ماذا وكيف وُجد هذا المبدأ، ولِمَ الرجحان لوجوده على عدمه؟ ولماذا كان هاهنا وجود ولم يكن هاهنا عدم؟ هو السؤال الجوهري في الميتافيزيقا. وهو أوسع الأسئلة، وأعمقها، وأكثرها أصالة. وأسئلة أخرى لا تحصى.
ويعتبر البحث في العدم مخاطرة هائلة تهدف إلى تحديد مصير الوجود المطلق انطلاقا من فكرة (اللاشيء). هذه الفكرة الغامضة ذات الدلالات الدينية والمعرفية التي لا تنتهي.
ويعود الفهم المختلف للعدم إلى التناول الفلسفي أو الديني للمسألة من جهة، والى المنهج المختلف للفلاسفة من جهة أخرى. ويعرض الكاتب آراء اغلب الفلاسفة بدءا من الفلاسفة اليونان.
وأولهم برمنيدس الايلي ـ 515ق.م ـ الذي قال: إن الشيء الحقيقي الوحيد هو الوجود، أما ما عداه فهو عدم، والعدم لا يمكن أن يفهم. وأضفى على الوجود صفة الالوهية. ولهذا لم يفرق بين الوجود والآلهة. فالموجود لم يحدث ولن يحدث لأنه سرمدي، أي أزلي ابدي. وهذا ما يجعله ناجزا بشكل مطلق. وفريدا ومكتملا.
ثم جاء أفلاطون ـ 427 ـ 347ق.م ـ الذي قال إن العدم المطلق مستحيل. ولكن العدم بمعنى السلب والنفي ممكن. كقولنا: لا ابيض. وهذا معناه ليس العدم والاستحالة إنما معناه وجود آخر غير الأبيض. فاللا وجود بهذا المعنى هو وجود الغير. وأما أرسطو ـ 384 ـ 322ق.م ـ فقد أكد انه لا يوجد عدم مطلق، إنما عدم مضاف.
فالعقل اليوناني لم يقبل العدم المطلق. لأن وجود العدم المطلق يعني بأن الوجود كان معدوما بشكل مطلق وانه خضع لعملية إحداث أو خلق. وهذا كله يعني رفض فكرة وجود اله عال أبدع أو خلق العالم والوجود وأعطاه معناه. ومع أن أفلاطون قال بان العالم محدث من قبل الصانع Demiurge إلا أن هذا القول يحمل على الأسطورة. وكذلك رفض أرسطو أن يكون الله خالقا للعالم. بل هو: علة غائية قصوى.
وجاء الفلاسفة المسلمون ليخالفوا اليونانيين. فالكندي ـ 803- 873م ـ قال: إن الله هو مؤيس الأيسات عن ليس، أي خالق الوجود عن عدم. وكذلك الفارابي وابن سينا وابن رشد. وهذا يتوافق مع رأي القديس توما الاكويني/1225-1274 م/. إلا أن الشرق افرز بالمقابل، مذاهب فكرية تتقاطع مع الفلسفة اليونانية، مثل الدهريين وقولهم: «الدهر دائر لا أول له ولا آخر».
ويعرض المؤلف آراء عدد من الفلاسفة الوجوديين، حول الوجود والعدم، مثل: برغسون وهايدغر وسارتر.
فالفيلسوف الفرنسي «برغسون» يدحض فكرة العدم من أساسها، وذلك برفضه الوهم بان المرء قادر على التفكير في غير الثابت بواسطة الثابت، وفي المتحرك بواسطة الثابت.
وان نستخدم الخلاء للتفكير في الملاء، لأن هذا الوهم يفضي إلى تحقيق تصور كاذب للسلب والفراغ والعدم. ويستنتج برغسون بأن الملاء تطريز لنسيج الخلاء، وأن الوجود مضاف إلى العدم، وأن تصور عدم الشيء أفقر من تصور وجود الشيء. وذلك هو أساس السر كله. ويحاول برغسون أن يثبت أن فكرة العدم فكرة كاذبة والمشكلات التي تثيرها هي مشكلات كاذبة.
ويؤدي هذا إلى تصور برغسون لوجود عدم جزئي في الواقع الموضوعي. يقوم على الاستبدال: أي استبدال موضوع بآخر من الناحية الموضوعية، والتفضيل من الناحية الذاتية، والذي يتم عند حصول فكرة الاستبدال في ذهن يفضل الاحتفاظ بالشيء القديم. وبالتالي فإن من يقول بالعدم المطلق من حيث هو حذف للكل، يقول بالمستحيل، أو كمن يقول بتربيع الدائرة.
ويدلل برغسون على أن اعترافنا بوجود العدم قبل الأشياء أو تحت الأشياء مرده إلى العنصر الاجتماعي والانفعالي. وأن المطلق هو الحياة فقط، وبالتالي لا يمكن الحديث عن العدم في هذه الحياة.
أما هايدغر فإنه يشير أولا إلى أن الإنسان الباحث يجب أن يوجه بحثه نحو ما هو موجود، وليس نحو اللاشيء، فالعدم واللاشيء يقع خارج حدود المعرفة العلمية. والسؤال ما هو العدم؟ يتضمن اعترافا بالبعد الوجودي للعدم، لأننا عندما نعرف العدم بأنه هذا الشيء أو ذاك، نكون قد عرفنا العدم بالوجود.
ويكشف هيدغر على أنه ليس الملاء وحده هو الذي يكشف لنا عن الموجود، بل عن الفرح أيضا وهذا التكشف نفسه يجب ألا يفهم بوصفه لخطة عابرة، خاطفة، بل يجب أن يؤسس بوصفه التاريخ الحقيقي للواقع البشري.
والسؤال: لماذا كان ها هنا وجود ولم يكن ها هنا بالأحرى عدم؟ يطرحه الإنسان على نفسه عندما يصل إلى أكثر أنواع اليأس ألماً وإلى أكثر أنواع الملل والسأم والقلق تأثيراً في ذاتيته. بالإضافة إلى أن الإنسان يسأل نفسه هذا السؤال عندما لا يفهم من معنى الحياة أي شيء. وهذا السؤال هو السؤال الجوهري في الميتافيزيقيا.
وقيمة فلسفة هايدغر تصدر عن رغبة الفيلسوف الوجودي في إستكناه حقائق الوجود انطلاقا من إسقاط معنى الإنسان على معنى الوجود أي من خلال توجيه البحث حول الوجود بالاعتماد على الإنسان من حيث هو الوجود الممتاز الذي يمثل أسمى مراتب الوجود، على عكس الأديان التي ترى أن أسمى موجود هو الله.
ويبحث سارتر بعمق العلاقة بين الوجود الإنساني، والوجود في ذاته، وكذا الوجود واللا وجود. ويستنتج بأن الوجود والعدم عنصران ضروريان للواقع بمعزل عن السماح لأحدهما بالانتقال إلى القِدَم. ويختم المؤلف كتابه بآراء الفيلسوف المصري عبدالرحمن البدوي والذي بدأ بنشر فلسفته الوجودية منذ أربعينات القرن الماضي. ونقد محمد عابد الجابري له.
وينتقد بدوي مفهوم العدم عند الفلاسفة اليونان، ورجال الدين. لأن النظرتين تربطان مفهوم العدم بالزمان. سواء كان هذا الزمان أزليا أو محدثا. ويعارض برغسون في نفيه لفكرة العدم وبطلانها. ويشيد بمارتن هايدغر واعتبر انه أول من أوضح مدلول العدم من الناحية الوجودية. وانطلاقا من مناقشة مفهوم العدم عند هايدغر، يؤسس بدوي رؤيته الخاصة للعدم.
وهذه الرؤية ترفض تصور العدم تصورا مكانيا بوصفه خلاء، والذي أدى بالفلاسفة إلى إنكار العدم والخلاء. وكذلك ترفض اشتقاق الوجود من العدم وبالعكس. أو تصور العدم كأنه إناء يحوي الوجود ويمتلئ به.
ويرى بدوي أن الحقيقة الواقعية مكونة على هيئة انفصال. وهذا الرأي أيدته الفيزياء المعاصرة في نظرية الكم والميكانيكا التموجية. وبذلك يكون الوجود مكونا من وحدات منفصلة بينها هُوَّات. وهذه الهُوَّات لا يمكن عبورها أو تجاوزها إلا بواسطة الطفرة. وهذه الهُوَّات هي العدم في وجوده الموضوعي. وهي ليست خلاء لان فكرة الخلاء قد استبعدت.
مروان عبدالرزاق
* الكتاب: التحليل الأنطولوجي للعلم
*الناشر: بدايات للطباعة
جبلة، سوريا 2006
*الصفحات: 141 صفحة من القطع المتوسط
