المساهمون في هذا الكتاب هم عدد من المختصين بشؤون أوروبا الوسطى ومن بينهم اريش ليسينغ، المصور الذي دعوه ب«مصور الحرب الباردة» وكان حاضرا في بودابست أثناء «ثورة 1956»، وجورجي كونراد، الروائي ذي الأصل الهنغاري الذي غادر هنغاريا مع أسرته عام 1956 والمؤرخ فرانسوا فيجتو، الذي يعيش منذ عدة عقود في فرنسا.

موضوع هذا الكتاب، كما يبدو من عنوانه هو تلك الأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة الهنغارية بودابست خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر 1956. ويتفق المساهمون على أن تلك «الثورة» شكلت «الشرخ الحقيقي الأول» في الكتلة السوفييتية، كما يتفقون على أنها جاءت في السياق الذي تلا وفاة جوزريف ستالين عام 1953.

وفي شهر يونيو من عام 1953 قررت «القيادة الجماعية» التي خلفت ستالين على قيادة الاتحاد السوفييتي تعيين «امري ناجي» رئيسا للوزراء في هنغاريا بدلا من «ماتياس راكوزي».

وقد قام «ناجي» بتشكيل حكومة ائتلافية ضمت وزراء غير شيوعيين. كما قام بإطلاق سراح العديد من السجناء السياسيين وقدّم الكثير من الوعود باتجاه الطبقات الشعبية بشكل خاص والتي كانت تعاني من أوضاع معاشية صعبة بأنه سوف يرفع مستوى معيشتهم. كما قام بنفس الوعود تقريبا باتجاه الفلاحين وبدأ باتخاذ الإجراءات التي تسمح لهم بالخروج من الأطر التعاونية التي فرضتها الشيوعية على طريقة «الكولخوزات» في الاتحاد السوفييتي.

ويشرح المساهمون في هذا الكتاب الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك في عموم بلدان المنظومة الاشتراكية. ويصفونها بوجود عدد من «الستالينات - جمع ستالين- الصغار» في كل من تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وألبانيا، وأيضا وجود «ستالين آخر كبير» في الصين متمثلا في «ماوتسي تونغ» هؤلاء جميعهم أحسّوا بنوع من الخطر من النموذج الذي أراد «امري ناجي» أن يؤسس له في هنغاريا والذي رأوا فيه مصدرا ممكنا ل«العواصف» التي قد تهب على أنظمتهم.

وفي عام 1955 أقصي «امري ناجي» بعد «انقلاب» «جانوس كادار» الذي كان «رفيق الدرب» بالنسبة لناجي، لكنه قبل أن ينضوي في الاتجاه الذي أرادته موسكو. بل إنه أعاب عليه أنه «جرّه» في طريق قد يؤدي إلى القطيعة الكاملة مع الاتحاد السوفييتي «بلد الاشتراكية الأول» في العالم آنذاك.

وينقل «فرانسوا فوجيتو»، الذي وصف انتفاضة بودابست 1956 أنها كانت «الثورة الأولى المضادة للنظام الشمولي- التوتاليتاري»، عن «جانوس كادار» نفسه أنه قبل وفاته، وتحديدا عندما ألقى خطاب الوداع للحزب الشيوعي الهنغاري، أشار بصورة خفية ولكنها «مفهومة» إنه لن يسامح نفسه أبدا على السلوك الذي تصرفه حيال امري ناجي.

ويقدم المساهمون في هذا الكتاب بعض الإحصائيات عن محصلة القمع الدموي الذي مارسه الجنود والدبابات السوفييتية ضد «الثائرين» في شوارع بودابست أثناء «الثورة التي لم تكتمل». وتدل التقديرات على أن عدد الضحايا بين المدنيين الذين تحدّوا الدبابات بأجسادهم وأدوات المقاومة «البدائية» التي امتلكوها يتراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف من المدنيين، وأن نصف القتلى كانت أعمارهم أقل من ثلاثين سنة، كما كان سدسهم من النساء.

وزاد عدد جرحى ثورة بودابست 1956 عن عشرين ألف جريح، وذلك دون حساب عمليات الإعدام الكثيرة التي شهدتها هنغاريا كلها بعد أن «صمتت» الأسلحة تماما يوم العاشر من شهر نوفمبر 1956. وكان من بين الذين طالهم الإعدام «امري ناجي» نفسه عام 1958 وكان عمره آنذاك 62 سنة. أما عدد الذين غادروا البلاد إلى المنافي فيقدّر عددهم بحوالي مائتي ألف شخص.

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتكرر في تحليلات هذا الكتاب بالتأكيد على أن «العالم الحر» كما كانت تطلق التسمية آنذاك على الغرب من أجل تمييزه والتأكيد على هذا التمييز عن «العالم القمعي» الذي كان سائدا في بلدان المنظومة الاشتراكية آنذاك، لم يتحرك آنذاك من أجل نصرة الشعب الهنغاري.

فقط قامت بعض المظاهرات في عواصم غربية كان في طليعتها باريس، وحيث أعلن العديد من المثقفين الفرنسيين، في طليعتهم جان بول سارتر، كما كتب في دفتر يومياته، نيّتهم الانسحاب من الحزب الشيوعي الفرنسي احتجاجا على دخول الدبابات السوفييتية إلى بودابست.

وتتردد في هذا الكتاب بأشكال مختلفة فكرة أن القمع الدموي الذي قوبل به الهنغاريون الذين انطلقوا بانتفاضتهم يوم 23 أكتوبر 1956 قد أدّى آنذاك إلى إخماد تلك الانتفاضة.

لكن ذلك لم يمنع واقع أنها شكلت منعطفا في التاريخ المعاصر كله. هذا على الرغم من أنها لم تشكل قطيعة كاملة مع النظام الشيوعي بل ان «امري ناجي» نفسه كان موزعا بين ميله إلى القناعة بشرعية تطلعات الهنغاريين، لاسيما وأن الأحداث التي بدأت في بودابست انتشرت كي تعمّ البلاد كلها، وبين واقع أنه لم يكن يريد التخلّي عن انتمائه للحزب الشيوعي الهنغاري.

لكن المساهمين في هذا الكتاب يرجّحون أنه قد انحاز في النهاية لصفوف «الانتفاضة» الشعبية وهذا ما عبّر عنه هو نفسه في خطاب بثّته الإذاعة الرسمية وجاء فيه أن «جرائم خطيرة جرى ارتكابها خلال السنوات الأخيرة وهي التي كانت وراء إثارة هذه الحركة الهائلة».

وبتاريخ 30 أكتوبر تحديدا، أي بعد أربعة أيام من بداية المظاهرات التي قوبلت بالعنف، قام «ناجي» بتشكيل حكومة لم تكن تضم بين صفوفها سوى أربعة وزراء شيوعيين. وهذا ما يطلق عليه فرانسوا فيجتو، أحد المساهمين في الكتاب، «الثورة الأولى المضادة للتوتليتارية»، ذلك أن الحكومة الائتلافية الجديدة أشارت بوضوح إلى نهاية سلطة الحزب الواحد -الشيوعي- لتبرز من جديد على السطح مجموعة من التشكيلات السياسية القديمة وتعود إلى التداول تسميات كانت غائبة تماما عن ساحة الفعل السياسي مثل المجالس الثورية واللجان الثورية.

وكان من بين الأحداث ذات الدلالة العميقة الجديدة إطلاق سراح كاردينال هنغاريا الأول «ميندزنتي» الذي كان ينفذ حكما بالسجن المؤبد عليه صدر عام 1948. لكن جرت «تبرئته» من جميع التهم الموجهة إليه في خضم «ثورة 1956» وحيث استقبله حشد كبير من أبناء بودابست بخروجه من السجن «منتصرا».

كانت الدبابات السوفييتية تتجول في شوارع بودابست اعتبارا من 24 أكتوبر 1956، أي في اليوم الثاني لانطلاق الانتفاضة. وكان «امري ناجي»، بالاتفاق مع القيادة السوفييتية في الكرملين، قد أعلن إعادة العمل بالأحكام العرفية ودعا المتظاهرين إلى إلقاء أسلحتهم.

وأعلن بنفس الوقت أنه من أنصار «اشتراكية ذات لون وطني». وإلى جانب وجود الدبابات السوفييتية حضر إلى بودابست وفد عالي المستوى من موسكو ضم في أعضائه ميكديان وسوسلوف، وكانت الرسالة واضحة وهي «إعادة الأمن والاستقرار على الفور».

وبتاريخ 28 أكتوبر أعلن «ناجي» عبر الإذاعة أنه قد تمّ التوصل إلى اتفاق مع السوفييت بحيث يغادر هؤلاء العاصمة كحظوة أولى بانتظار انسحابهم النهائي من البلاد. وفي نفس مساء ذلك اليوم بدأ المائتا ألف جندي روسي الانسحاب مع دباباتهم ال2600.

وفي الأول من شهر نوفمبر 1956 شن «ناجي» عبر الإذاعة هجوما عنيفا ضد السوفييت واتهمهم بأنهم لا يحترمون الاتفاقات المبرمة. ثم ذهب خطوة أبعد عندما حذّر أن بلاده قد تنسحب من حلف وارسو الذي كان يضم بلدان المعسكر الاشتراكي ويشكل ثقلا مكافئا للحلف الأطلسي.

وكانت إجابة السوفييت هي في تشديد قبضتهم على هنغاريا التي كان «الجيش الأحمر» يسيطر على معظمها بتاريخ 3 نوفمبر. ولم يتردد السوفييت في اعتقال وزير الدفاع الهنغاري آنذاك «بال ماليتير» الذي كان قد قدم لمفاوضتهم على الانسحاب في مقر قيادتهم.

واعتبارا من صباح الرابع من نوفمبر دكّت المدفعية والطائرات السوفييتية بودابست بقنابلها كي تدخلها المدرعات والدبابات من كل الاتجاهات. ويومها أطلق «ناجي» نداءه الشهير عبر الإذاعة والذي جاء فيه: «في فجر هذا اليوم قامت القوات السوفييتية بهجوم على العاصمة وهي تنوي بوضوح الإطاحة بالحكومة الشرعية للديمقراطية الهنغارية. إن قواتنا تقاتل والحكومة صامدة في مكانها. وهذا ما أحيط علما به الشعب الهنغاري والعالم أجمع».

إن النصوص، والصور خاصة التي يحتويها هذا الكتاب والتي قام بها اريش ليسينغ، تركز على المقاومة البطولية التي أبداها الهنغاريون الذين نزلوا إلى الشارع جنودا ومدنيين ونساء وأطفالا، وبما لديهم من أسلحة بسيطة وأحيانا بدائية.

واستطاعوا تدمير 285 مدرعة سوفييتية. كما بلغ عدد القتلى والجرحى من الجيش الأحمر حوالي (7000) سبعة آلاف بينما تقدّر خسائر الجانب الهنغاري ب(2000) ألفي قتيل و(000 13) ثلاثة عشر ألف جريح. لكن ميزان القوى غير المتكافئ على الأرض حسم الأمر بسحق الانتفاضة الشعبية الهنغارية في غضون 48 ساعة بعد بداية الهجوم العسكري السوفييتي الشامل في بودابست.

* الكتاب: ثورة في هنغاريا

بودابست 1956

*الناشر: تيمس وهودسون

نيويورك 2006

*الصفحات: 249 صفحة من القطع المتوسط

Revolution in Hungary

the 1956 Budapest uprising

Erich Lessing and

Thames and Hudson

New York 2006

P.249