رونيه باكمان هو أحد رؤساء تحرير مجلة «لونوفيل اوبسرفاتور» الفرنسية الشهيرة والتي يشرف على قسم السياسة الخارجية فيها، حيث يقوم منذ خمس وعشرين سنة بتغطية شؤون الشرق الأوسط. سبق له وساهم في العديد من الكتب من بينها:
«أجهزة شرطة المجتمع الجديد» بالاشتراك مع كلود انجيلي، و«وسائل الإعلام والمساعدات الإنسانية» مع رونيه برومان و«انفجار مايو، 11 مايو 1968، التاريخ الكامل للأحداث»، والمقصود «أحداث مايو» 1968 والمعروفة في فرنسا باسم «ثورة الطلبة».
يبدأ هذا الكتاب الجديد «جدار في فلسطين»، والصادر في شهر أكتوبر 2006، بالسؤال التالي: «هل لك أهل في إسرائيل؟». ثم يتابع المؤلف: «منذ حوالي خمس وعشرين سنة أسمع هذا السؤال في كل مرّة أكون فيها أمام عناصر الأمن في مطار بن غوريون بتل أبيب، خمس وعشرين سنة وإجابتي هي دائماً: كلا ليس لي أهل في إسرائيل.
ـ لكن اسمك...
ـ اسمي يعود لكوني من شرق فرنسا.
ـ هل لديك أصدقاء في إسرائيل؟
ثم يتابع المؤلف: «نعم لي أصدقاء في إسرائيل... ولي أيضاً أصدقاء في البلد الآتي فلسطين». تعبير «البلد الآتي» يأخذه رونيه باكمان من عنوان كتاب كان قد صدر عام 1996 للكاتب والمفكر الفلسطيني إلياس صنبر تحت عنوان: «فلسطين، البلد الآتي». ويشرح المؤلف في هذا السياق كيف أن صداقاته «الكثيرة» وعداواته «القليلة» في منطقة الشرق الأوسط جعلته يتعلم «كيف يحلّ شيئاً فشيئاً مظاهر الحياة اليومية».
وهكذا «اكتشف» أن السيارات ذات اللوحة الصفراء، أي الإسرائيلية يمكنها أن تتجول دون أية عوائق في إسرائيل كلها «باستثناء المخصصة حصراً للجيش» أي السيارات ذات اللوحات السوداء أو للشرطة، ذات اللوحات الحمراء. أما «السيارات ذات اللوحات البيضاء أو الخضراء، أي الفلسطينية فغير مسموح لها الدخول إلى إسرائيل ولا تستطيع التنقل في الضفة الغربية إلا في المناطق التي حصل سائقوها على ترخيص مسبق بالتجول فيها.
كما «فهم» أن «استخدام» أو «رفض استخدام» بعض الكلمات أو التعابير يدل بوضوح على قناعات من يتلفظ بها، مثل تعبير «الأراضي المحتلة» المستخدم في الوثائق الدولية والقاموس الدبلوماسي .
وحيث يفضّل الفلسطينيون استخدامه، هذا إذا لم يستعيضوا عنه بتعبير «الأراضي تحت الاحتلال» بينما يكتفي الإسرائيليون بكلمة «الأراضي» ولا يستخدمون إلا نادراً جداً «الضفة الغربية» التي يدعونها بـ «يهودة والسامرة» بالاعتماد على المرجعية التوراتية وإنما هو أيضاً التعبير الذي تستخدمه الحكومة الإسرائيلية وكذلك يستخدمه المستوطنون الإسرائيليون وأنصارهم.
أما تعبير «الإدارة المدنية» الذي يقول عنه المؤلف أنه «لا يثير للوهلة الأولى ما يلفت الانتباه أو ما يثير القلق (...). ومع ذلك، ما هي الإدارة المدنية؟ إنها فرع من الجيش مكلف بالعلاقات مع سكان الأراضي المحتلة، وهو الذي يمنح ـ يرفض غالباً ـ تراخيص تنقل الفلسطينيين. ومن الصعب إيجاد إدارة أقل مدنية من هؤلاء العسكريين الذين تكمن مهمتهم في فرض قواعد يحددها جيش الاحتلال على المدنيين».
وفي هذا السياق يسأل المؤلف «والجدار؟»... «وهل هو جدار أم حاجز؟» ثم يجيب «أنه الاثنان معاً». ويضيف: «إنه حاجز في القسم الأعظم منه»، يبلغ علوه ثلاثة أمتار ومحاط بالأسلاك الشائكة من طرفيه ولكن عرضه يتراوح بين 45 و100 متر ومزوّد بآلات الكشف، كما تعلوه طريق للقيام بدوريات مع «كاميرات» ومنظومات للكشف الالكتروني. وعلى بضعة عشرات الكيلومترات، يقوم «جدار» من الاسمنت بعلو يتراوح بين سبعة وتسعة أمتار.
أما الطول الإجمالي لهذا «الحاجز والجدار» فيزيد على 650 كيلومتراً. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد شرعت ببنائه في ربيع عام 2002 بحيث ينتهي بناؤه في عام 2007. وتصفه إسرائيل أنه «حاجز أمني» بينما يرى به الفلسطينيون «جداراً فاصلاً» ويعتبرون أنه يعني ضم جزء أساسي من أراضي دولتهم المقبلة لإسرائيل ويشكل حدوداً جديدة مفروضة بالقوة.
وكانت محكمة العدل الدولية قد استخدمت في مذكرة استشارية صدرت عنها في شهر يوليو 2004 تعبير «الجدار». وهنا يسأل المؤلف مرّة أخرى: «لماذا تكريس كتاب لهذا المشروع ـ الجدار؟». ويقول في معرض إجابته لأنه قد آمن لفترة ما أن اتفاقيات أوسلو قد تحقق السلام.
ولكنه كان شاهداً، مع أولئك الذين اعتقدوا مثله، على «غرق مسيرة السلام». ثم يضيف انه قرر تأليف هذا العمل على خلفية قناعته أن «الجدران» ليست حلولاً. يقول: «ذلك لأنني لا أستطيع التوصل إلى الاعتقاد بأن ما رآه العالم كله ينهار البارحة، وبفرح، في برلين، يمكن أن يكون حلاً غداً في القدس».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة عشر فصلاً تروي قصة هذا الجدار العازل والأهداف الحقيقية التي يسعى الإسرائيليون لتحقيقها من خلاله والنتائج المترتبة على بنائه مثل «كم من أشجار الزيتون» سيتم اقتلاعها كما جاء في عنوان أحد الفصول و«نحن هنا، وهم هناك» مثلما يقول عنوان فصل آخر و«طريقان من أجل شعبين» و«حصار الشيخ سعد» و«الفصل على أساس عنصري» كما تقول بعض عناوين الفصول والتي يحمل الفصل الأخير منها عنوان: «القوة هي المشكلة».
وفي الفصل الأول الذي يحمل عنوان «حتى لون الضوء» يعود المؤلف إلى صبيحة ذلك اليوم الصيفي عام 2002 عندما اكتشف سكان قرى الشيّاح والعيزرية ورأس العامود، الواقعة في الجزء الجنوبي من جبل الزيتون، أوراقاً جرى توزيعها ليلاً مكتوبة باللغة العبرية. وكان مضمون نصّها الذي حمل توقيع الجيش الإسرائيلي هو أمر عسكري بمصادرة جزء من أراضي السكان لبناء جدار عليها.
وقد حدد النص قطع الأرض المعنية وطلب من أولئك الذي قد لا يعترضون على ذلك أن يفعلوا ذلك خلال أسبوع من تاريخ تعليق الأمر. وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول:
«ان الزمن المطلوب لترجمة النص إلى اللغة العربية وللحصول على السجل من البلدية وتحديد قطع الأرض المصادرة بدقة وتحديد مكان مرور الجدار القادم يعني أن مهلة الأسبوع قد انتهت». بل «وكان لا بد من أسبوع إضافي من أجل إيجاد محام يدافع عن الملف أمام المحاكم الإسرائيلية»، كما ينقل المؤلف عن مديرة مدرسة «أبوديس».
ويشرح المؤلف «تاريخية» فكرة الجدار التي تعود إلى فترات سابقة لاسيما تكليف إسحاق رابين لوزير الأمن في حكومته «موشي شاشال» بدراسة بناء جدار حول قطاع غزة؛ لكن هذا المشروع انتهى مع اغتيال رابين يوم 4 نوفمبر 1995 من قبل إيغال عامير، اليهودي المتطرف.
ثم في عام 2000 وبعد العملية الاستفزازية التي أصرّ آرييل شارون، زعيم حزب الليكود آنذاك، على دخوله إلى ساحة الحرم الشريف في القدس واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أعلن إيهود باراك تأييده لفكرة الفصل، والتي لخّصها بجملة استخدمها آنذاك في الحملة الانتخابية ومفادها: «نحن هنا، وهم هناك».
كان جميع الإسرائيليين إذن من أنصار الجدار العازل باسم «الأمن» باستثناء جزء من المستوطنين في المستعمرات الإسرائيلية الذين خشوا أن يصبحوا معزولين على الجانب «السيئ» وأيضاً بعض حلقات الإسرائيليين من أنصار الحوار الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
بالطبع كان الفلسطينيون، ولا يزالون، ضد الفكرة أصلاً، وكان آرييل شارون هو الذي أعطى الأوامر بالشروع ببناء الجدار وجرى تكليف الجيش للقيام بالمهمة. وكان من أكثر دعاته الجنرال «أوزي دايان» الذي كان رئيساً لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي.
ويدعم مؤلف هذا الكتاب تحليلاته بالعديد من الإحصائيات التي أعدّتها جهات رسمية حكومية إسرائيلية أو دولية وتؤكد جميعها واقع الضرر الكبير الذي سوف يصيب الفلسطينيين من جرّاء بناء الجدار. هكذا أكّد تقرير صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأراضي المحتلة أن الفلسطينيين الذين لا يستطيعون بسبب الحاجز زراعة أراضيهم أو جني محاصيل زيتونهم أو تغذية مواشيهم يعرفون وضعاً اقتصادياً قاسياً جداً.
هذا فضلاً عن واقع قطيعتهم عن المدارس والجامعات والمستشفيات وغير ذلك من المرافق العامة. وجميع المؤشرات تدل على أن أوضاعهم سوف تزداد تعقيداً مع مرور الزمن. كذلك تدل تحقيقات أجرتها منظمات غير حكومية أن 51 مدينة وقرية فلسطينية قريبة من جنين وطولكرم وقلقيلية سوف تتأذى مباشرة من بناء الحاجز.
* الكتاب: جدار في فلسطين
*الناشر: فايار ـ باريس 2006
*الصفحات: 307 صفحات من القطع المتوسط
Un mur en Paletine
René Backmann
Fayar- Paris 2006
P.307
