مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ المعروف ولفغانغ بينز، وهو يتحدث فيه عن كيفية صعود هتلر إلى سدة السلطة وعن أحوال المجتمع الألماني آنذاك من كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: كانت ألمانيا عندما وصل هتلر إلى السلطة عام 1933 في وضع اقتصادي حرج جدا.
وكانت البطالة متفشية في أوساط العمال والطبقات الشعبية بكثرة. وعلى الرغم من أنها كانت من أقوى الأمم الصناعية في الغرب إلا أن الفقر كان باديا على وجوه الكثيرين. يضاف إلى ذلك أن الشعب الألماني كان يشعر بالمهانة نتيجة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وفرض الحلفاء على ألمانيا معاهدة سلام مجحفة ومذلة.ولولا ذلك لما تقبل الشعب الألماني حاكما مثل هتلر، فقد وصل إلى السلطة باسم الانتقام للشعب الألماني ولشرف ألمانيا. ولكنه أدى بها إلى الكارثة في نهاية المطاف كما هو معلوم.ومعلوم أن هتلر عندما وصل إلى سدة الحكم كان رئيسا للحزب القومي الاشتراكي للعمال الألمانيين، وأما الايدولوجيا النازية فكانت عقيدة هذا الحزب.
ومعلوم أيضا أن الرايخ الثالث استمر لمدة اثني عشر عاما، هذا في حين أن الدعاية النازية كانت تقول بأنه سيدوم ألف عام! وكلمة الرايخ في اللغة الألمانية تعني المجال أو النطاق أو الإمبراطورية.
ثم يردف المؤلف قائلا: ومنذ البداية توجهت سياسة الرايخ الثالث نحو التصنيع الثقيل العسكري، أي نحو تحضير الحرب. ومنذ عام 1941 خطط قادة الحزب النازي للسياسة التالية:
إجبار أعداء النظام على العمل بالقوة في مصانع الدولة. وكذلك الأمر إجبار أسرى الحرب على فعل نفس الشيء. وكانوا يشغلونهم ليلا نهارا حتى ينهكونهم بل ويقتلونهم من شدة الشغل وعذابه. والواقع أن هدفهم كان امتصاص كل القوة الاقتصادية الموجودة لديهم ثم التخلص منهم بشكل غير مباشر.
وقد استطاع هتلر أن يحل مشكلة البطالة عن طريق توظيف الألمان في المصانع العسكرية بشكل خاص، ثم في مصانع الفولكس فاغن التي اخترعها والتي تعني سيارة الشعب. وحقق نجاحات لا يستهان بها في هذا المجال. فعندما وصل إلى السلطة كان عدد العاطلين عن العمل يتجاوز الثلاثة ملايين ونصف المليون شخص.
ثم يردف المؤلف قائلا:
إن تبرير التوسع النازي الذي تم على حساب الدول المجاورة نجده في كتاب هتلر الشهير: كفاحي. كما ونجده في الايدولوجيا العرقية الجرمانية. فهتلر كان يقول ان الألمان بحاجة إلى فضاء حيوي ضروري لكي يستطيعوا البقاء على قيد الحياة. وهذا الفضاء الحيوي موجود شرق البلاد، وبالتالي فمن حقهم التوسع هناك واحتلال أراضي جيرانهم. يضاف إلى ذلك أنه كان يوجد ألمان عديدون في الدول المجاورة كبولندا وتشيكوسلوفاكيا.
وبالتالي فإن توحيد الدم الألماني كان يقتضي ضم هذه المناطق إلى الرايخ الثالث: أي الأم ألمانيا. ولكن أوروبا الشرقية كانت مليئة بالسلافيين، وكان المشروع النازي يعتبر العرق السلافي أدنى مرتبة من العرق الآري. وبالتالي فيحق للألمان أن يحتلوا هذه البلدان السلافية ويحولوا شعوبها إلى عبيد يشتغلون في خدمتهم. وبالطبع فقد ابتدأ هتلر بضم الأقاليم المليئة بالألمان إليه، وكذلك ضم النمسا إلى ألمانيا لأنهما يتحدثان لغة واحدة.
ثم راح يهاجم في خطاباته معاهدة فرساي ويعتبرها لاغية لأنها تمت على حساب الألمان بتواطؤ من الفرنسيين والإنجليز أساسا. ولهذا السبب راح هتلر يحضّر الشعب الألماني للحرب. ولتحقيق هذا الغرض راح يشكل منظمات الشبيبة الهتلرية ويجبر كل الشباب الألماني الصحيح الجسم على الانخراط فيها.
وهناك كانوا يتلقون تدريبا رياضيا وجسديا قويا، وفي ذات الوقت كانوا يدربونهم على أعمال العنف لكي يستطيعوا قتل أي شخص في المستقبل دون الشعور بتعذيب الضمير. وأصبح الاقتصاد الألماني موجها في معظمه نحو الإنتاج العسكري. وراحت الدعاية النازية تؤطر الشعب الألماني كله بعد أن قمعت الحريات والأحزاب السياسية ولم يعد في البلاد إلا حزب واحد هو الحزب النازي.
ثم يردف المؤلف قائلا:
وفي ذات الوقت راح هتلر ينتهك بنود معاهدة فرساي الواحد بعد الآخر، وكانت تقضي بمنع ألمانيا من مهاجمة جيرانها. فراح يهاجم بولندا ويضمها إليه، ويهاجم النمسا ويضمها إليه، ويهاجم تشيكوسلوفاكيا كليا ويضم مناطق واسعة منها إليه، الخ.
وأمام هذه الهجمة الشرسة لم تستطع إنجلترا أو فرنسا أن تفعلا شيئا. وراحت الديمقراطية الغربية تراعي هتلر تماشيا لشروره بدلا من أن تواجهه وتوقفه عند حده. وفهم هذا الموقف على أساس أنه نقطة ضعف فتمادى في غيه وعدوانه.
والواقع أن موقف الدول الديمقراطية كان صعبا للغاية آنذاك، فعصبة الأمم لم تكن تمتلك سلطة حقيقية، والولايات المتحدة كانت ذات توجه انعزالي وترفض التدخل في الشؤون الدولية. وبالتالي فلا يمكن لفرنسا أو إنجلترا الاعتماد عليها. ومعلوم أنها لم تدخل الحرب إلا بعد سنتين من اندلاعها وبعد أن ضربها اليابانيون بقسوة في ميناء بيرل هاربر.
أما بقية الدول الأوروبية الأخرى فكانت واقعة تحت نير أنظمة ديكتاتورية مثل ألمانيا. ونقصد بهذه الدول إسبانيا، البرتغال، النمسا، وبعضها كان واقعا تحت هيمنة الأنظمة الفاشية كإيطاليا في ظل موسوليني، والبعض الآخر كان يرزح تحت نير الديكتاتورية الشيوعية كالاتحاد السوفييتي.
وبالتالي فعلى أي جهة كان يمكن للأنظمة الديمقراطية أن تعتمد لمواجهة الوحشية الهتلرية والتوسع الألماني المتزايد؟ ولهذا السبب قامت إنجلترا وفرنسا بمحاولة أخيرا للتصالح مع هتلر أو لعقد هدنة معه، وقد تم الاجتماع في ميونيخ حيث ركع المسؤولون الإنجليز والفرنسيون أمام الفوهرر.
وكانت تلك معاهدة العار والشنار بالنسبة للأنظمة الديمقراطية. وبعدئذ لم يعد أمام إنجلترا وفرنسا من حل إلا الدخول في الحرب ضد ألمانيا النازية. وكان أن اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939. ولم تنته إلا بعد أربع أو خمس سنوات بسقوط هتلر وانتحاره بعد أن خاض أكبر مغامرة عسكرية توسعية في تاريخ البشرية.
* الكتاب: تاريخ مختصر للرايخ الثالث
*الناشر: مطبوعات جامعة كالفورنيا 2006
*الصفحات: 309 صفحات من القطع الكبير
A concise history of the third reich
Wolfgang Benz
University of California Press 2006
P.309

