في رواية كاثرين مين الأولى التي تشكل إطلالة جريئة على عالم الرواية الأميركية الحافل دوماً بالجديد، نلتقي إيزادور مايونغ هي سون، التي يدعوها الجميع باسم التدليل إيزا، والتي تحب أمها أشد الحب، والأم حسناء بارعة الجمال ولدت في سيؤل، وعاشت مع أخوتها في دار عائلتها الثرية الممتدة.

أما والد إيزا فهو عالم وأستاذ جامعي، تطارده ذكريات الحرب التي خدم خلالها كجندي كوري جنوبي، ويعذبه سر يحجبه حتى عن زوجته، ولا تزال تهيمن عليه مشاعر الحداد على ستيفن، الأخ الأصغر لإيزا. ووالدا إيزا هما من الإغراق في الطابع التقليدي الكوري بحيث أنهما يعليان شأن ابنهما الراحل على ابنتهما التي لا تزال على قيد الحياة، فإيزا بالنسبة لهما هي نصف موجودة.

ولكن خلافاً للكثير من بنات الأميركيين من أصل آسيوي، فإن إيزا ليست بالفتاة الهشة ولا الضحية الهادئة للأعراف والتقاليد، وعلى الرغم من نجاح أبويها والطابع المركب لشخصيتهما وتحقيقهما للحلم الأميركي، فإنها لا تسلم بالقيم التي يتمسكان بها، وتنطلق في مغامراتها الخاصة مع صديقها هيرو، وفي الوقت نفسها فإنها تشك في أنه على الرغم من تمسك أمها الصارم بالقيم الكورية التقليدية إلا أنها على صلة برجل آخر، وتعقد العزم على جعل هذه العلاقة التي تعتقد بوجودها معروفة للجميع، وسرعان ما يفضي ما بدأ غضباً من الابنة على أمها إلى نتائج قاتلة.

وتهيمن العزلة على أجواء الرواية التي تصور هذه المأساة التي تقع في شمال نيويورك في أعقاب الحرب الكورية، حيث نلتقي في بدايتها بإيزا وهي في الثامنة عشرة من عمرها بعد أن أمضت 95 يوماً في وحدة علاج الحروق في الباني، عقب اندلاع حريق التهم دار عائلتها وأسفر عن مصرع أبويها.

هكذا تفلح كاثرين مين في تصوير مأساة عائلة غارقة في اغترابها، وكيف أفضى هذا الاغتراب بها في النهاية إلى الدمار بعد تمزق النسيج الذي يحاكي حياة عائلية سعيدة الذي حاولت نسجه على امتداد سنوات طويلة.

في غضون ذلك نتابع التمزق الحاد الذي تعانيه إيزا بين ثقافتين يصعب مد الجسور بينهما، وذلك على الرغم من تلك الدرجة من النجاح التي حققها أبواها في الولايات المتحدة، ويلفت نظرنا أن حبها للفتى هيرو يرجع في المقام الأول إلى أنه بدوره مختلف عن الآخرين في مدرستهما الثانوية.

هكذا فإن كاثرين مين تفلح، باقتدار جلي، في أن تضع أيدينا على ورطة الجيل الثاني من المهاجرين الأميركيين، فيما المنتمون إليه يحاولون الوصول إلى مكان لهم في هذا الكون الرحب والحافل بالتناقضات، وهي في غمار هذا كله تروي لنا قصة السعي وراء اكتشاف الذات، وهي قصة شاملة لا تقتصر على زمان أو مكان محددين، لأنها في النهاية قصة البشر جميعاً، رغم أننا نتابعها هنا عبر حياة أناس تحددت ملامحهم وظروفهم بدقة تصل إلى حد الصرامة.

ويلفت نظرنا بصفة خاصة أن إيزا تنظر إلى أبويها باعتبارهما مخلوقين ينتميان إلى العالم القديم، غارقين في عزلة المهاجرين، وهي تحس بالخجل من اللكنة الكورية التي لا تزال تشوب حديثهما باللغة الانجليزية، والطريقة التي يحدق الناس فيهما في بعض الأحيان في الأماكن العامة.

هكذا فإننا نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام عمل جميل وحزين إلى أبعد الحدود كتب في إطار صورة شخصية على نحو عميق لورطة الجيل الثاني من المهاجرين إلى أميركا، حيث تضطر إيزا إلى إدراك أننا نحمل متاع أسلافنا معنا حيثما ذهبنا، وأن الماضي يلقي بظلاله علينا أياً كان المدى الذي نذهب إليه في الهرب باتجاه المستقبل.

وقد كان من الطبيعي أن تترك رواية أولى بهذا العمق وهذه القدرة على التأثير في نفوس القراء انطباعات قوية لدى العديد من الكتاب في الولايات المتحدة.

في هذا الإطار تقول مارجوليفسي مؤلفة كتاب «نفي فيرونا» عن رواية «عالم مستعمل» إنه من خلالها «تصور كاثرين مين ببلاغة رائعة نضج بطلة غير عادية، هي إيزادورا مايونج هي سون، فيما هي تحاول مد الجسور بين ماضي عائلتها الكورية وحاضرها الأميركي. إنها رواية أولى جذابة بصورة وحشية ومتألقة بشكل هائل».

وبدور يقول جون دالتون مؤلف رواية «البحيرة السماوية» عن «عالم مستعمل» إن: «ما يجعل هذه الرواية تعلق بالذاكرة بهذه القوة البالغة وما يجعل من الصعب تنحيتها جانباً هو واقعيتها وقوة المشاعر التي تصورها. إنها قوة تجبر القارئ على المضي من فصل موجع ووجيز على نحو جميل إلى الفصل الذي يليه، وهي تجمع في آن بين القوة والحميمية، وتقدم لنا رؤية جديدة ونافذة لعزلة المهاجرين».

وتعقب مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة بدورها على رواية «عالم مستعمل» بقولها إنها: «إطلالة أولى تتحدى النسيان، وتتميز بتفاصيلها الجميلة والدقيقة، وتصوير كاثرين مين للاغتراب الذي تعانيه عائلة من المهاجرين يعلق بالذاكرة طويلاً».

*الكتاب: عالم مستعمل

*الناشر: الفريد نوف

نيويورك 2006

*الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط

Secondhand World

Katherine Min

A.Knopf N.Y.2006

p.288