«لوليتا» رواية رفضت أربع دور نشر أميركية نشرها بحجة أنها جريئة ومخلة بالآداب مما حدا بمؤلفها المقيم حينها في أميركا إلى طباعتها في فرنسا سنة 1955، طبعت في «دار أولمبيا برس» التي اشتهرت حينها بنشر الأدب الإباحي. ولكن الرواية وبعد ثلاث سنوات طبعت في أميركا وتصدرت قائمة المبيعات ستة أشهر وتفوقت آنذاك حتى على رواية «الدكتور زيفاجو» لمؤلفها الروسي بوريس باسترناك.
ومؤلف رواية لوليتا هو الروسي فلاديمير نابوكوف المولود سنة 1899 والذي كتب رواياته الأولى باللغة الروسية ثم راح يكتب باللغة الإنجليزية ومنها روايته لوليتا التي تدور أحداثها في أميركا، هذه الرواية التي أدخلته عالم الشهرة والمال بعد أن طبع منها 50 مليون نسخة، وبعد أن حصل على ثروة كبيرة من روايته لوليتا ترك مهنة التدريس وأقام في سويسرا. حّولت الرواية إلى فيلمين الأول سنة 1962والثاني سنة 1997. نابكوف الذي كان يهوى جمع الفراشات حتى تمكن من اكتشاف فراشة لم تعرف من قبل سميت باسمه «فراشة نابكوف». وهذه الرواية دفعت أيضاً بالبعض الآخر لكي يتحزب لها بشدة، فأديب مشهور بقامة غراهام غرين صنّفها من بين أفضل عشر روايات صدرت في العالم حينها، بل إن بعض جامعات العالم جعلتها من مقرراتها الدراسية. يقول أوسكار وايلد: ليس هناك أدب أخلاقي وأدب غير أخلاقي، المعيار هو الجودة.
وبطل رواية لوليتا «همبرت همبرت» الأوروبي أو اختصاراً «ه، ه» يروي حكايته عبر مذكراته من داخل السجن، رجل في الأربعينيات من العمرغير أنه مولع بالفتيات الصغيرات التي تتراوح أعمارهن بين التاسعة والرابعة عشرة ويعزز رأيه قائلاً:
إن القانون الإنجليزي المصدّق عليه عام 1933 يعّرف الفتاة الصغيرة بأنها إحدى الغلامات اللواتي تزيد سنهن على الثمانية أعوام وتقل عن الأربعة عشر. ويرى في هذه الأعمار: الحدود الطبيعية للشواطئ المتماوجة والصخور المائية الوردية لتلك الجزيرة المسحورة الضائعة في محيط ضبابي تتردد عليه جنياتي!.
وهو يروي أسباب ولعه ذاك بعد أن تعرف على لوليتا أو «دولوريس هاز» ابنة الإثني عشر ربيعاً: وأتساءل إذا ظهرت هناك في ارتعاش ذلك الصيف البعيد، أول فجوة في حياتي، أم أن رغبتي المطلقة في تلك الغلامة لم تكن إلا العلامة الأولى التي تكشف عن انحراف طبيعي يلازمني منذ خلقت؟!..أترى أمّنا الطبيعة قد دربتها من قبل على الفتنة ؟!..
كنت أبدو في علاقاتي الصحية مع النساء عقلانياً، ساخراً، وموجزاً. وطويلة هي لائحتي التي تسرد هذه الأقاصيص الناقصة وهذه الغراميات ذات الاتجاه الواحد. وأحسب أنكم بدأتم ترون أني على حافة الأزمة.
ولكي يصل «ه، ه»الأرمل إلى لوليتا لم يتورع من الاقتران بأمها الأرملة شارلوت هاز. وبذلك يكون قد قهر القدر ووصل إلى لوليتا. ولن استطيع أن أصف لكم إلى أي حد كانت زوجتي مخلصة ومؤثرة.
قالت له «لوليتا»: اسمع! إن أمي سيجن جنونها إذا عرفت أني عشيقتك، وذلك قبل أن تمرض الأم شارلوت وتموت ويصبح «ه، ه» هو الوصي: لقد كنتُ صديقاً يقظاً، وأباً مهووساً، واختصاصياً بارعاً في أمراض الأطفال. ولولاها لما كان باستطاعتي أن أقاوم أكثر من بضعة أيام ولما كان باستطاعتي أن أنتزع الحب منها بالقوة.
سمحت «للو» بتلقي دروس في البيانو بحجة أن ذلك ينسجم مع حبها للمسرح والرقص. وحين سمحت لها بتعلم فن التمثيل، إنما سمحت لها في الوقت نفسه أن تبرع في فن الخيانة. واستفظعت رغبتها بترك المدرسة. وتمنيت اجتياز حدود المكسيك وهناك أقرر مصيري مع خليلتي التي أصبح طولها ستين بوصة ووزنها أربعين كيلو.
اختفت دولوريس فكنت أحلم قليلاً أو كثيراً بلوليتا كما أتذكرها وكما كانت تحاصر بلا هوادة ذهني الواعي أثناء كوابيس النهار وأرقْ الليل، والحق أنها كانت ترهقني أيضاً في نومي، غير أنها لم تكن تظهر لي آنذاك إلا متنكرة بطريقة غريبة ومضحكة.. كان لا بد من البحث عن الخائن الذي غرر بها، وحين عثرت عليها كانت متزوجة منه، انتصبنا وجهاً لوجه كما لو أنها لم تكف قط عن أن تكون لي. لم أكن أستطيع أن أقتلها هي، لقد كنت أحبها من اليوم الأول وسأحبها إلى آخر يوم.. حتى الأزل.
إن ديك لم يكن مطلعاً على شيء، وكان يتصور أني كنت أباها، إنه الرجل الوحيد الذي أحبته حقاً وكانا سعيدين معاً، فما كانت حاجتي لأن أعقّد حياتهما إذ أحرك كل هذا الوحل؟ ألم تكن تلك الحياة معقدة بما فيه الكفاية؟.. كتبت هذه المذكرات لغاية واحدة هي أن أسقط الثمرة الناضجة في اللحظة المطلوبة. فهذا الرجل الأربعيني الضعيف المزعج قليلا، والمربك الجالس على مقربة منها في معطفه المخملي الأنيق كان قد عرف وعبد كل ذرة فيها.
.. ديك، هذا أبي!.. هكذا قدمتني له. أما أنا فكنت أراها ( حبيبتي لوليتا ) وقد ذبلت في السابعة عشرة ذبولاً لا شفاء له، وهي تحمل في بطنها هذا الطفل الذي بدأ يتأمل بأن يصبح رجلاً مرموقاً وأن يعتزل العمل عام 2020.
.. أريد أن تتركي «ديك» هذا العارض وهذا الكوخ البائس وأن تأتي لتعيشي معي، وتموتي معي، وكل شيء معي. هكذا قلت لها حين خلوت بها وعندما رأت دموعي المحرقة قالت: أوه، لا تبكِ بعدُ، أنا خجلة جداً لأني قد خدعتك هكذا، ولكن هكذا تمضي الحياة. أخذتُ من جديد أبكي وأنا ثمل بماضي الخيالي..
.. وبدا لي من الحكمة أن أتحقق من سلاحي، فربما كان عرقنا المختلط قد أفسد شيئاً ما. وسألته عما إذا لم يكن له شيء هام يريد أن يقوله قبل أن يموت ورششته بالرصاص عبراللحاف فاسترخى إلى الخلف. كنت أفكر باستعمال هذه الملاحظات بجملتها في أثناء محاكمتي، لا لأنقذ رأسي، بل لأنقذ روحي.

