مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبدالرزاق عيد، الناقد والكاتب السوري الذي أصدر العديد من المؤلفات والدراسات، منها «يسألونك عن المجتمع المدني، ربيع دمشق الموءود»، و«طه حسين، العقل والدين، بحث في مشكلة المنهج»، و«الثقافة الوطنية، الحداثة، مشكلة المنهج»، و«ياسين الحافظ، نقد حداثة التأخر»، و«العالم القصي لزكريا تامر».

و«الثقافي الجمالي الايديولوجي»، و«أزمة التنوير، شرعنة الفوات الحضاري»، و«الديمقراطية بين العلمانية والإسلام» وهو مؤلف مشترك، و«أبوحيان التوحيدي، فصل الدين عن الدولة ـ فصل الدين عن الفلسفة»، و«قراءة سوسيودلالية في مدن الملح»، و«ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة:

حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف»، و«نقد العقل الفقهي ج1: سَدَنة هياكل الوهم ـ البوطي أنموذجاً»، و«نقد العقل الفقهي ج2: سدنة هياكل الوهم ـ يوسف القرضاوي بين التسامح والإرهاب».

ويجمع عنوان كتابه الجديد «محمد عبده: إمام الحداثة والدستور» ما بين كلمتي «إمام» ذات البعد الديني والمدلول الزمني المعيّن و«الحداثة» ذات الأبعاد والدلات والمستويات المتعددة والمختلفة.

حيث انها لا تحتاج إلى إمام بقدر حاجتها لحراك مجتمعي، وإلى محمولات ومركبات متداخلة معها ومتخارجة عنها في الوقت ذاته، في حين أن محمد عبده هو بلا شك أحد رموز الإصلاحية الإسلامية، وكان شيخاً متنوراً، أصدر العديد من الفتاوى الرامية إلى تيسير عمليات الاندماج الاجتماعي والتاريخي في مناخ الأزمنة الحديثة، في سياق محاولته نشر فكر ينزع إلى نقد التقليد الإسلامي، وإلى الدفاع عن لزوم تحريك آليات التجديد والاجتهاد.

لكن المؤلف يعتبره المؤسس الأول ل«الحداثة النهضوية»، بل وصاحب مشروع تأسيسي ل«حداثة اسلامية»، يشغل التأويل والاجتهاد عنصراً حاسماً في منظورها المنهجي التحليلي والتأويلي لتقديم تفسير للاسلام يستجيب لتحديات العصر، وذلك لدمج النخبة الحداثية في مجتمعها، عبر مقولة: «إن الاسلام لا يتناقض مع العصر الحديث، بل هو متوافق في مبادئه الجوهرية، مع المبادئ الدستورية المدنية الديموقراطية الحديثة».

ويعزو اختياره محمد عبده، من العديد من النهضويين، ممثلاً لولادة الفكر العربي الحديث وللنزعة الدستورية إلى جملة من المميزات التي تميزه عن رصفائه الذين سبقوه زمنياً، وهي «مميزات المثقف الحديث المؤسس للشرعية الدستورية»، الأمر الذي جعله يخصص كتابه الذي بين يدينا لتبيان هذه المميزات من خلال «التماس محوري الدستورية والديموقراطية في الخطاب الفكري والممارسة السياسية للإمام».

وكأن الكتاب كتب بناء على فكرة مسبقة جهد المؤلف نفسه للدلالة عليها، والتي يجدها في أن «محمد عبده هو الأصغر سناً بين مجموعة النهضويين الذين عرفهم القرن التاسع عشر»!

وما يميزه عن الطهطاوي يتجسد في أن الحفاظ على الهوية لدى الإمام يعني النظر إلى الإسلام بوضفه غير مناقض للعصر، وليس النظر إلى العصر بوصفه لا يتناقض مع الإسلام، كما كانت إشكالية الطهطاوي. كما أن الرجل الثاني ترجم الدستور، فكان مبشراً به، بينما جعل محمد عبده الدستور على أجندة برنامج حزبه الوطني.

وستكون «النزعة الدستورية الشديدة في منافحتها عن الحريات ومناهضة الاستبداد» أحد نقاط تمايز محمد عبده في تقييم ظاهرة محمد علي، وسيعتبر المؤلف تكامل المنظومة الفكرية والمنهجية في موقف محمد عبده من أولوية مسألة الحرية والشرعية الدستورية دلالة على إمامته للحداثة تاريخاً بوصفها تحقيقاً لإمامته للدستور.

وعقلاً من خلال ريادته في الاضطلاع بمسألة الحرية بوصفها أولوية فكرية وسياسية، مما يميزه عن الجيل السابق من النهضويين الذين لم ترتق مسألة الحرية لديهم إلى مستوى أن تكون إحدى المشكلات المركزية في منهجيتهم الفكرية وممارستهم السياسية. ويتجسد سياق إمامة محمد عبده للحداثة الاسلامية في رصد تاريخ الانتقال بوظيفة الكتابة على المستوى الإجرائي السوسيولوجي:

من كتابة «البلاط» إلى كتابة «الشارع»، حيث إن وظيفة الكاتب في العصر الوسيط كانت توجهها رغبات السلطان، لأنه هو المستقبل والمستهلك لآداب وفكر الكاتب، ولم يكن الكاتب يفكر بالعامة نظراً لافتقارها للقراءة والكتابة، وتقتصر القراءة على الخاصة، وبالتحديد على بطانة النخبة السلطانية، بينما العامة يتولى شأن علومها ومعارفها الفقهاء الذين تحولوا إلى مايشبه السلطة الدينية.

ومع نشأة الخطاب الحديث والجديد على الزمن العربي والخطاب العربي ولد أيضاً المثقف الحديث الذي كان يضع على عاتقه مهمة اقناع القارئ بعدم التغرب والانسلاخ والذهاب بعيداً عن الهوية الاسلامية التي راح الامام يجعل منها اشكاليته المركزية خوفاً من تغرب النخب المصرية التي راحت تنتجها المدارس الأوروبية.

وفيما ظل العقل الطليق للطهطاوي مشدودا لأوتوقراطية نظام محمد علي الاستبدادي، فإن محمد عبده عبر عن وعي، بما يتناسب مع منظومة وعي المثقف الحديث الذي بدأ يغدو مخاطبه ومتلقيه المجتمع، وبدأ الشعب يدخل ساحة التاريخ «ثورة عرابي مثلا» .

وعلى هذا كان محمد عبده في لحظة زمنية تجعله قادراً على الحديث عن أن الحكم هو حكم «الشعب»، حكم الشورى واطلاق عنان الحرية للمصريين ورفض الاستبداد. وعليه كتب الامام نصاً من أرقى النصوص في الكشف عن الوجه الاستبدادي الطغياني لمحمد علي المدمر لإنسانية المصري، «وهو نص يتمتع ببصيرة نافذة وعبقرية في كشف هذا النموذج من الحكام الذين سيبتلى بهم العالم العربي حتى بعد أكثر من قرن ونصف على نموذج محمد علي، والذي سيتكرر في صورة ما سمي بالأنظمة «الثورية».

هكذا، تنحاز الكتابة عن محمد عبده إلى محمد عبده مختلف، في حين أن الكتابة عنه في عصرنا الراهن تدعونا إلى معاينة مآل ونتائج مشروعه الإصلاحي الديني في مختلف تجلياته، الأمر الذي يقتضي تناول نصوصه وإعادة تركيب أسئلته، ليس بقصد تكرار التجربة، بل بقصد تجاوزها.

وتجاوز مختلف السمات التي اتسم بها تفكيره، والذهاب إلى التساؤل عما تبقى من محمد عبده، ومن رصفائه من الإصلاحيين، و«التنويريين»، خصوصاً وأن المنطلق الفكري انطلق منه هو فكرة الأصل، وما يشوب هذه الفكرة من محدودية، رغم العديد من شرارات التجديد التي حاول الرجل أن يضمنها في هذا الفكر.

غير أن الحماسة في الكتابة، عن رموز الإصلاح والنهضة التي لم تقم لها قائمة، تتحول إلى مجرد إنحياز، وتجعل أفعال التسمية والاختزال والإسقاط تفعل فعلها جميعاً، فيغدو خط الأفغاني «أشبه بالخط اللينيني الذي يعتمد الخط الاحترافي الانقلابي، المعبر عن إرادة نخبة إحترافية شجاعة ومنظمة تأتي إلى عمارة السلطة للقبض على جهاز الدولة».

في حين أن خط الإمام محمد عبده «يشابه الخط الغرامشي لاحقاً، وهو الخط الذي يراهن على الهيمنة الفكرية على وعي المجتمع في وجه السيطرة السياسية على أجهزة الدولة، ويغدو كذلك أبوحيان التوحيدي رائداً من رواد المجتمع المدني، وأول من دعا إلى فصل الدين عن الدولة قبل أكثر من عشرة قرون خلت!

وعليه سيمثل محمد عبده عنواناً للانتقال من السلطة الإلهية أو الملكية الوراثية إلى السلطة الشرعية التي تعبر عن السيادة الشعبية الجمعية، بوصفه «المثقف الحديث الأول» الذي اجتمعت فيه محددات المثقف الحديث، بل و«أهم مثقف عضوي حديث يستغرقه زمنه انكباباً على امتلاك كل لحظة في شريطه من أجل مشروعه التنويري الديمقراطي الدستوري».

عمر كوش

* الكتاب: محمد عبده إمام الحداثة والدستور

*الناشر: معهد الدراسات الاستراتيجية ـ بغداد، بيروت 2006

*الصفحات: 426 صفحة من القطع المتوسط