رحلة فتح الله الصايغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية كثيرة هي المؤلفات التي تتحدث عن البادية وأحوالها وتقاليدها وعاداتها، وقد اهتم بهذا الموضوع باحثون عرب ومستشرقون، من أشهرهم: روكس بن زائد العزيزي وحمد الجاسر، وأحمد وصفي زكريا وعمر كحالة والغزاوي وبور كهارت وموسّيل وجوسّان وفيلّبي وغيرهم، ولكننا نجد في كل هذه الرحلات والبحوث ذكراً لرحلة قام بها شاب سوري ولد بحلب، سنة 1790، تجوّل في بادية الشام وصحاري العراق والعجم، إلى حدود إيران الشرقية، ثم قطع الحماد وزار الدرعيّة، ودامت رحلته عدّة سنوات (1810 ـ 1915).
وتحدّث الصايغ في مذكراته عن العادات والأعراف البدوية، وعن القبائل التي اتصل بها، وذكر أسماء شيوخها وعدد مقاتليها، وحروبهم وغزاوتهم ووقائعهم، ووصف عدداً من البلدان والقرى وأتى على ذكر بعض الأماكن الأثرية.
حقق هذا الكتاب الدكتور يوسف شلحد أستاذ في علم الاجتماع بجامعة باريس، له من المؤلفات علم الاجتماع الديني 1946، وحقق كتاب المستفيد في أخبار مدينة زبيد «صنعاء 1983، وله كتب عديدة باللغة الفرنسية.
عندما كان الصايغ في العشرين من عمره، اتصل به رجل من الإفرنج يدعى تيودور لاسكاريس، وطلب منه أن يعلّمه اللغة العربية، فوافق على ذلك، بسبب ضائقة مادّية ألمت به، ثم عرض لاسكاريس عليه، أن يقوما برحلة في أنحاء البلاد السورية، فوافق الصايغ على ذلك ورضخ لكل شروطه.
غادرا حلب إلى سرمين، ثم إلى معرّة النعمان، وخان شيخون، بعد أن اشتريا بضاعة تصلح لأهل البادية، وفي حماة سجنهما حاكمها بتهمة التجسّس، ولكنهما دفعا رشوة، أنقذتهما من الزنزانة، ليتابعا إلى الرستن، فحمص، ومكثا فيها، إلى نهاية الشتاء، ونظراً لأن معلمه كان يرفض بيع البضائع، فقد فهم أنّ لاسكاريس يرمي إلى هدف سياسي، هو التعرّف على البدو والاطلاع على أحوالهم، لذلك كان يطلب من الصايغ أن يسجّل يوميّاً كل ما يقع لهما من حوادث وهو الآخر كان يدوّن ملاحظاته في دفتر صغير بالفرنسية.
وتابعا الرحلة إلى صدد، ثم توجها إلى القريتين فتدمر وتعرّفا بالأمير ناصر، ابن شيخ قبيلة (الحسنة) وحلاّ ضيوفاً على هذه القبيلة، وسمّى لاسكاريس نفسه بإبراهيم، وسمّى الصايغ عبد الله الخطيب. وقد كاشف لاسكاريس الصايغ فأعلمه بأن الغاية من الرحلة الكشف عن أحوال البدو والتعرّف بكبار أمرائهم، وكسب صداقتهم والسعي في جمع كلمتهم، وإبعادهم عن العثمانيين، والعمل على معرفة الصحارى ومسالكها ومياهها، وأن الهدف السياسي هو توحيد صفوف البدو ليكونوا عوناً لجيش كبير سيمّر بالشرق ويقطع الصحراء قاصداً الهند، وسيكون الدريعي بن شعلان، أمير عرب الرولة، الواسطة الذي سيحقق مأربه، فاتصّل به، وتمكن إبراهيم بدهائه من ربط كبار الشيوخ برباط عظيم !! على أن يكونوا يداً واحدة مع ابن شعلان في كل الأمور، وعوناً له في خلافه مع العثمانيين، وتمّ التوقيع على وثيقة الاتحاد.
ويتحدّث الصايغ عن لقاء لاسكاريس بسائح بريطاني، أيضاً يسمّى (الشيخ إبراهيم)، وهو الرّحالة السويسري الإنجليزي بوركهارت، الذي اكتشف خرائب بترا، وعن اجتماعه مع الليدي آستانوب، بنت أخت رئيس وزراء إنجلترا. ويظن أنها موفدة لتعطيل أعمال جاسوس نابليون، ويحضر معركة بين جيش الدريعي وجيش ابن سعود، كما يصف هذه المعركة وصفاً شيّقاً، ويتكلم عن عادة البدو، عندما يطلبون النجدة من القبائل، وعن النخوة والعطفة والقتال على ظهور الجمال، والصايغ يكتفي بسرد الحوادث دون أن يذكر تاريخها.
وقد ربح الدريعي المعركة، قطع الفرات واجتاز الجزيرة ودخل حدود العجم، ثم تابع رحيله مع لاسكاريس والصايغ وبعض أمراء البادية، إلى بلاد كرمان، ووصلوا إلى نهر خراسان وأرض الهندوان، وحلّوا أخيراً على الأمير سعد النجاري، وتمّ الاتفاق معه، ودخل أيضاً بالحلف الأمير الرّديني، شيخ عرب العجم.
ويذكر الصايغ أسماء القبائل التي دخلت في هذا الحلف وأسماء شيوخها وعدد المقاتلين فكان المجموع خمساً وأربعين قبيلة، تعدّ نحو ألف نفس.
ثم يعودان إلى الدرعية، ويصف الصايغ المدينة وأسواقها ونساءها وحاكمها، وقبل أن يغادرا الدرعية وصل العلم إلى ابن سعود أن قوّات محمد علي خرجت من ينبع وتوجهت إلى المدينة المنوّرة لاحتلالها، فلم يأبه لذلك.
أما لاسكاريس فقد سرّ بنتائج الرحلة، إذ أصبح طريق الهند ممهّداً أمام جيوش نابليون، وقد كان التوفيق حليفه، فبوسعه أن يعود إلى فرنسا لاطلاع الإمبراطور على نجاح مهمّته، فذهب مع فتح الله من حلب إلى اسلامبول (اسطنبول) وهناك علم بانكسار القوات الفرنسية في روسيا، ثم تتابعت الأخبار المشؤومة وهوى عرش نابليون، فسافر لاسكاريس إلى أزمير وطلب الحماية البريطانية ليأمن على حياته من شرّ العثمانيين، وذهب بمفرده إلى القاهرة، حيث وافاه الأجل، فوضع القنصل البريطاني يده على مخلّفات العامل الفرنسي، بما فيها مذكراته وأوراقه، وعلم الصايغ بوفاته، فسافر إلى القاهرة وعبثاً حاول أن يحصل على أوراق معلّمه، فلم ينل من القنصل البريطاني إلاّ الإهانة والطرد.
مذكرات الصايغ هذه، التي تنشر لأول مرة باللغة العربية، عرفها الغرب منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، وتُرجمت إلى الفرنسية على يد الشاعر الرومانتيكي لامارتين، وصدرت في الجزء الرابع من كتابه «رحلة إلى الشرق» الطبعة الأولى سنة 1853... وكان قد اشتراها «المذكرات» من الصايغ سنة 1832، بعد أن نالت إعجابه، وقد حرص على أن تكافئ الحكومة الفرنسية مؤلفها «لأجل الخدمات لعلم الجغرافيا وأخلاق الأمم».
ولم يقبل المستشرقون على رحلة الصايغ لأن رئيس الجمعية الأسيوية شك في صحتها، وأصدرت الجمعية حكماً صارماً في تقريرها السنوي، لعام 1982 جاء فيه: «إن هذه الرحلة وليدة الخيال، كتبها رجل عارف بأحوال البادية»، وفات من نظم التقرير، كيف استطاع الصايغ أن يؤتى معرفة دقيقة بقبائل البادية وتقاليدها، وهو الحضري، ابن المدينة، ولولا رحلته هذه لما استطاع أن يسجّل أدق التفاصيل عن البادية، وربّما يعود الشك بصحتها إلى رداءة الترجمة الأولى، أضف إلى ذلك أن صاحب الرحلة شوّه الحقيقة أحياناً، تحدّث بأمور هي من نسج خياله، إلا أنه صدق أيضاً في أمور كثيرة فأفاد إفادة جمّة.
كان الصايغ يكتب يومياته على (ورقة طيّارة) على حسب تعبيره، وإن هي إلا مذكرة للشيخ إبراهيم تسهّل عليه تسجيل الوقائع، ولم يفكّر يوماً بوضع كتاب عن رحلته، لأنه كان لا يحسن اللغة العربية، ولكنه احتفظ بمذكراته، وعندما عرض عليه لا مارتين شراءها، قام عندئذ بتحريرها باللهجة الحلبية، وأسبغ عليها طابع المغامرات، ولا عجب إن أخطأ بالتواريخ، لأنه أراد فيها أن يسرد قصة أبيه الروحي لاسكاريس، فكتب ما علق بذاكرته، دون اهتمام كبير بالأمانة التاريخية، ولاسيما أنه وضع كتابه بعد مضي نحو خمس عشرة سنة على رحلته.
وسنجد وصفاً دقيقاً لحياة البادية (الرحيل وقت السلم، والنساء في الهوادج، وأمامهن الفرسان الخبيرون بالضرب والطعن والرحيل السريع في حالة الطوارئ).
ويتكلم عن أمانة المرأة في المجتمع البدوي وتكريم أهل البادية لها، وعن الطب البدوي والخوة والنخوة والعطفة، ويحدثنا عن مراسيم الزواج، وعادات طلب النجدة، والحرب على ظهور الجمال، وسلاح البدو... دليل على أنه عاش مع البدو طويلاً، تحوي مخطوطة الصايغ على مئة وتسع وعشرين ورقة (256 صفحة) بقياس 15 x 5,21، في كل منها نحو 23 سطراً، والخط غير جميل، لكنه سهل القراءة.
فيصل خرتش
* الكتاب: رحلة فتح الله الصايغ الحلبي
*الناشر: دار طلاس - دمشق 2005
*الصفحات: 247 صفحة من القطع الكبير
