الدكتور فاضل الجاف مؤلف «فيزياء الجسد» الذي نوع تحصيله العلمي، بين شرق أوروبا وغربها، فحصل على دبلوم العلوم المسرحية من استكهولم في السويد ثم دكتوراه العلوم المسرحية من سان بطرسبرغ في روسيا، لينتقل إلى لندن ويحصل على ماجستير الإخراج المسرحي في جامعة لندن، ومثلما هي ثقافاته المتنوعة كانت تجربته ونتاجه الإبداعي موزعاً بين السويد وبريطانيا والمغرب والإمارات.
وفيزياء الجسد كتاب حديث يشكل حيزاً نوعياً في مكتبتنا المسرحية العربية، خاصة وهو يبحث في مسرح الحركة والإيقاع في إطار نظرية مييرهولد المسرحية والتي يتعامل معها المؤلف بحب ظاهر حتى في المقدمة التي كتبتها غاليتاتيتوفا عن علاقة الحب لمن يتعامل مع مييرهولد، وهي مقدمة مهدت للمؤلف لدخول عقولنا وتغيير العديد من طروحاتنا أو مفاهيمنا المسرحية التي بنيت على أساليب ونظريات قد تقترب أو تبتعد عن مييرهولد.
يشيرالجاف إلى ندوة موسعة عقدت في استكهولم عام 1981 عن ميير هولد، ينقل لنا المؤلف عناوين أبحاثها والمشاركين فيها ليؤطر الصورة المهمة لهذا المسرحي الذي قلب العديد من نظريات المسرح، وأصبحت نظريته ومنهجه هما الأكثر شيوعاً في أوروبا حتى بداية الثمانينات من القرن الماضي، ثم لتأخذ مناحي أخرى في الأعوام التالية،
والدكتور فاضل إضافة إلى تقديمه لمسببات الانتماء لهذه المدرسة فهو أيضاً يعطينا علاقتها بالمناهج الأخرى وبشكل دقيق وتفصيلي «انشغل المجددون الأوروبيون أمثال فوكس وآبيا وكريغ بوضع الأسس النظرية لهيكلية المسرح الحديث، كريغ في ميدان الصياغة السينوغرافية للعرض، آبيا في مجال الفضاء والإضاءة، وفوكس فيتناول البروسينيوم، والفضاء العاري وجسم الممثل في علاقته بفضاء المسرح».
ثم يكتب الجاف عن مسرح الحركة والإبداع عند مييرهولد، ويبدأ بولادته عام 1874، لينقل عبر سنوات حياته ومراحل تطوره وانبثاق منهجه وتسلسل تجاربه وعلاقته بتشيخوف وستانيسلافسكي وآخرين من المسرح العالمي «كانت أعمال الاستديو تسير بنجاح وقد شهد ستانيسلافسكي التمارين التي حضرها جميع أعضاء الفرقة بالإضافة إلى ضيوف من أمثال مكسيم غوركي، أما في التدريبات الأخيرة، حيث تم استخدام الضوء والمناظر فقد أوقف ستانيسلافسكي العرض لأسباب تقنية ولاعتقاده بأن الضوء كان يؤذي عين المتفرج».
وينتقل فاضل الجاف ليكتب عن الموت التراجيدي للفنان، ويتابع النضال الحقيقي لمييرهولد ضد النظام الستاليني، ومحاضراته التي أكد فيها أهمية المسرح تجاه سلطة دموية مثل حكم ستالين، أو من خلال أعماله المتعددة التي منعها ستالين أيضاً، وأودعه السجن، بينما اغتيلت زوجته الفنانة الشهيرة ريتادارايخ من قبل المخابرات السوفييتية،
لينتهي هو نفسه إلى الإعدام رمياً بالرصاص عام 1940 في سراديب الهيئة العسكرية، «الفضل يعود إلى المخرج السينمائي أيزنشتين في اخفاء كل ما خلفه مييرهولد في منزله الصيفي من كتابات وتراث نظري في المسرح، ويعود إعجاز أيزنشتين بمييرهولد إلى اهتمام المخرج السينمائي بالييوميكانيك الذي يظهر جلياً في فيلمه «إيفان الرهيب»، لكن أهم إنجاز حققه من تأثره بأفكار مييرهولد هو فكرة المونتاج في السينما، وهو أهم إنجاز في تاريخ السينما).
القسم الثاني من الكتاب خصصه الجاف إلى قضايا الإبداع الفني، وبدأ مع انطباعاته الأولية، وهي بالحقيقة انطباعات الذين عملوا مع مييرهولد، أو الذين تأثروا بمنهجه وخاضوا تجربته، ثم ينتقل إلى «الشكل الجديد في المسرح» على اعتبار أن مييرهولد كان أحد أهم المجددين في المسرح في القرن المنصرم، وقد أكد مثل غيره على قضايا عديدة أهمها: نوعية ممثل جديدة، مع نظام أداء جديد. سبل جديدة في التمثيل. أفضية عروض جديدة. نوعية تنفيذ مسرحي جديدة.
وينتقل الدكتور الجاف إلى المطبوعات والأبحاث الجديدة في منهجية مييرهولد ويستعرض عدداً منها مع تقديم أرائه فيها وأهميتها، ثم ينتقل إلى الكتب المؤلفة عبر الانطباعات الأولية، ومن ثم إلى مسرح ميير هولد والبنائية ويؤشر من خلاله على أهم مصممي السينوغرافيا الذين عملوا في البحث والتجريب في إطار منهج مييرهولد، لينتقل إلى طليعية مييرهولد في المسرح العالمي.
ويفرد المؤلف فصلا كاملا للحديث عن البيوميكانيك عبر البحث عن ممثل المستقبل، ثم تمارين الرماية بالقوس والنشاب، وتطوير الإبداعات الشخصية للممثل، ودمج القدرة البدنية بالقدرة الذهنية، استخدامات الفن التشكيلي الحديث في المسرح، ثم انتقل الباحث عبر مجموعة ملاحق لشرح أسس البيوميكانيك، من خلال ورشات العمل المسرحية، ثم المنهج الدراسي للبيوميكانيك من خلال ورشات عمل مييرهولد عام 1922.
بعد ذلك يكتب الدكتور فاضل الجاف عن مييرهولد ومسرح الحركة والإيقاع، فيعرفنا على تجارب مسرح شهرزاد السويدي في مجال البيوميكانيك وأثرها على المسارح الأوروبية والأميركية إضافة إلى مراحل العمل في مسرح شهرزاد، كذلك البيوميكانيك في هذا المسرح والتدريبات، والكشف عن بعض الجوانب الإبداعية في عروض مسرحية مثل د. دابرتوتو «لقد جسد مييرهولد في نفسه شخصية شيطانية مبدعة في اللعب العنيف من البناء والهدم، بدءاً من نجاحه في المسرح وانتهاء بالتضحية بنفسه (القربان) إذ يقال أن مييرهولد لم يعدم في موسكو بل نفي إلى معسكر في مجاهل سيبيريا، وهناك أخرج مييرهولد مسرحيات مع رفاقه».
ثم يخصص صفحات مطولة عن دراسة منهجية عمل ليتش مع تلامذته، والدورات التي اعتمدها لطلابه، من منهج ستانيسلافسكي كقاعدة أساسية لعمل كل دراسة، ثم في الدورة الثانية يمنح الطالب حرية اختيار أسلوبه في العمل «أسس أيزنشتين بعد إخراجه مسرحية العاقل لاستروفسكي، مدرسة تمثيل خاصة به في مسرح (بروليت كولت - ثقافة البروليتاريا، وسماها التمثيل المعبر، وهي نظرية كانت تطويراً للبيوميكانيك).
في نهاية الكتاب خلاصة أكاديمية كخاتمة، مثلما يضيف في ذيل كتابه ملحق للصور، وهي فريدة وتاريخية، ومقتطفة من حياة مييرهولد، ومسرحياته التي أخرجها، إضافة إلى صور أخرى تمثل العديد من الإنجازات المسرحية في إطار منهج مييرهولد.
عبدالإله عبدالقادر
* الكتاب: فيزياء الجسد
*الناشر: دائرة الثقافة والإعلام - الشارقة 2006
*الصفحات: 326 صفحة من القطع المتوسط
