صدر مؤخراً في القاهرة كتاب (البطالة في الوطن العربي المشكلة والحل) عن مجموعة النيل العربية للطباعة والنشر للدكتور خالد الزواوي، من أعماله السابقة اللغة العربية (2003)ومشاهد أبكتني (2002)والتعليم المعاصر(2001).

يحكي الكتاب عن أنواع متعددة من البطالة التي تختلف باختلاف طبيعة النظر إليها لا من خلال الجنس أو العمر أو الحالة التعليمية أو المهنة فقد ينظر إليها خلال الدورة الاقتصادية فتسمى بطالة دورية أو بطالة احتكاكية، وكما ينظر إليها من خلال التنقل بين المهن المختلفة، وبطالة هيكلية، وهي البطالة التي تحدث نتيجة حدوث تغيرات هيكلية في الاقتصاد الوطني وكذلك هناك البطالة الموسمية أو العرضية.

فالبطالة الدورية تحدث حينما تتقلص فرص العمل في الاقتصاد الوطني بعد رواج كبير تصل فيه العمالة إلى الذروة في التشغيل. أما البطالة الاحتكاكية، فهي بطالة تحدث بسبب الحراك المهني وتنشأ نتيجة نقص المعلومات لدى الباحثين عن العمل، أو لدى أصحاب الأعمال الذين تتوافر لديهم فرص العمل.

أما بالنسبة للبطالة الهيكلية، وتسمى في مراجع أخرى البطالة الفنية وأسبابها كثيرة منها التغير في هيكل الطلب على المنتجات فيترتب عليه تغير في هيكل العمالة المستخدمة أو إدخال تطور تقني معين في إعداد المكلفين بأداء العمل. وهناك البطالة الموسمية أو العرضية: وهي بطالة تحدث خلال موسم معين أو بعد انتهاء عمل عرضي معين.

والواقع ان المشكلات المترتبة على البطالة يمكن إخفاؤها من خلال توفير أعمال لا تنطوي على قيمة حقيقية بالنسبة للأداء الاجتماعي، كذلك ينبغي ان نأخذ بعين الاعتبار توزيع القوة العاملة بين الزراعة والصناعة وداخل القطاعات الصناعية. ويرتبط توافر فرص العمل أساسا بحفز الطلب الفعال وتراكم رأس المال، وكلاهما أمر يصعب تحقيقه في البلدان النامية.

ويتطرق المؤلف إلى العمالة في الوطن العربي والبطالة العالمية قائلا ان هناك جملة التعاقدات التي تتم بمعرفة مديريات العمل مع العمالة المصرية تتزايد في مختلف التخصصات ـ للعمل بالعديد من لدول العربية، مع وجود برنامج لتوفير المزيد من فرص أعمال لمختلف الوظائف من العمالة الماهرة المدربة بأسواق العمل العربية ـ وذلك من خلال تطوير المكاتب العمالية،

وتشجيع شركات إلحاق العمالة بالخارج لفتح أسواق عمل جديدة لمواجهة البطالة كما تدعم المكاتب العمالية بالخارج بالإمكانات البشرية الماهرة بما يمكنها من مد خدماتها لأكبر عدد ممكن وتعزيز القدرات الفنية للمكاتب لتوفير فرص عمل قانونية وحقيقية.

ويبحث مشروع التأمين على العمالة بالخارج توفير الرعاية الصحية والتأمينية لهذه العمالة مع السعي إلى الاستمرار الصلة بين المهاجرين في الخارج والوطن الأم وذلك بالعمل على إعداد قاعدة بيانات من خلال تنفيذ مشروع نظم معلومات الهجرة المتكامل، مع التوعية بمخاطرة الهجرة الغير الشرعية.

وتحدث المؤلف عن مكانة العمل في الفكر المعاصر وهو المجهود الإرادي الواعي الذي يستهدف منه الإنسان إنتاج السلع والخدمات لإشباع حاجاته، ومن ثم فإن اي مجهود لغير هذا الهدف لا يعتبر عملا. وإذا كان مبدأ حرية اختيار نوع العمل مسلما به في ظل الشروط والأوضاع التي تنظمها بعض القوانين في العصر الحديث، فإن هذه الحرية لم تكن متوفرة من قبل أو غير كاملة في العصور القديمة والوسطى وذلك مع سيادة أنظمة العبيد ورقيق الأرض والطوائف .

والعمل هو العنصر الفعال في طرق الكسب المباحة وهو الدعامة الأساسية للإنتاج وعلى قدر العمل واتساع دائرة نشاط العامل يكون النفع والجزاء والأصل ان يشبع الإنسان حاجاته المعيشية من ثمار عمله ونتاج سعيه إذا كان قادرا على ذلك، وإلا فإن حمايته ضد العوز تكون من مسؤوليات الدولة وقد فرض الله على الإنسان إن يسعى ويحصل على ما يشبع به حاجاته وفي هذا يقول الله تعالى (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور).

وقد أشار المؤلف في كتابه إلى مشكلة «أطفال بلا مأوى» وهذه المشكلة تتلخص في وجود ظاهرة تعتبر من اخطر المشكلات في مجال البطالة، الا وهي ظاهرة أطفال الشوارع، أو ما يطلق عليهم (أطفال بلا مأوى)، وهي من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تعاني منها العديد من بلدان العالم ومنها مصر باعتبار ان هؤلاء الأطفال يمثلون طاقة مفقودة تنعكس بالسلب على المجتمع.

وتعود ظاهرة أطفال الشوارع إلى أسباب عديدة منها: الفقر، والظروف، والأوضاع الأسرية وتفكك الرباط الأسري والقسوة والعنف والتسرب من التعليم وتفاقم حدة مشكلة الإسكان، والعديد من العوامل المجتمعية التي تؤدي إلى زيادة مشكلة أطفال الشوارع الأخرى.

وقد حدد المؤلف الحل في رؤية إسلامية قائلا إن الدول تبذل جهودا ضخمة لحل هذه المشكلة وتسهم الكثير من الجهات والمؤسسات والجامعات في وضع الحلول المناسبة لها. واورد جملة من الآراء التي تدعم هذا التوجه حيث يشير الدكتور رفعت العوضي ـ أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة ـ جامعة الأزهر ـ إلى ان الإسلام جاء بنظام عرف باسم «الحمى» ويتم بموجب هذا النظام منح مساحات من الأراضي للمحتاجين لكي يعيشوا منها وهذا النظام جعل الدولة تستبقي جزءا من الموارد الاقتصادية والزراعية في يدها لتحل بها مشكلة البطالة.

وقد دعا الإسلام إلى إحياء (الأرض الموات) بمعنى استصلاح الأراضي القابلة للزراعة وأعداد الأراضي للمباني، ويقرر التشريع الإسلامي ان الشخص الذي يحيي الأرض يمتلكها وهذه تكون اكبر مكافأة له.

ويرى أستاذ الاقتصاد بكلية تجارة الأزهر الدكتور انس المختار احمد أن الطريق لحل أزمة البطالة يبدأ من ضرورة أن تتوافق فلسفة التعليم مع متطلبات العصر بجانب الحد من العمالة الأجنبية التي تصل إلى حوالي 14 ألف خبير أجنبي يتقاضون أجورهم بالعملة الصعبة. ويرى الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أن التكافل الشعبي في مواجهة البطالة الذي يغني عن السؤال من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى خالقه بدليل قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

ويقول رئيس جامعة الأزهر فضيلة الدكتور احمد الطيب: ان الدين يحتم ويوجب ويلزم القادرين ورجال الأعمال أن يحاصروا البطالة من جميع جوانبها بأي أسلوب أو رؤية يتأكدون من أنها تسهم بحسم وفاعلية في القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة.

ثم ينتقل الزواوي الى مشكلة جيل الشباب الذي هو أمضى أسلحة العالم العربي في صراعه المصيري من اجل الخروج من كهوف الظلام وصنع مستقبل أفضل وهو فضلا عن ذلك صاحب هذا المستقبل غير ان الظروف التي تضع العالم العربي على نقطة تحول حاسمة في تاريخه هي نفسها التي تضع الشباب في أزمة.

وليس من الصعب تفسير حالة القلق وعدم الاستقرار التي يحس بها الشباب فهي ترجع إلى عدم فهمهم إلى لما يجري لهم وحولهم ونقص خبرتهم في التعامل معهم والصراع الحاد الذي يعانونه، منه بسبب التعارض فيما يطلب منهم تحمله من مسؤوليات أو يتوقع فيهم من التزامات للأهل والمربين والأقران وغيرهم مع عدم كفاية ما يوفره المجتمع من فرص الحياة.

ولم يهتم الباحثون من الأفراد وأجهزة البحث المتخصصة بالمشكلة ولم يتحركوا إلا حين بدأ نشاط الشباب يأخذ أشكالا تنطوي على خطورة فبدأت تظهر في عدد من الدول العربية تحليلات لطبيعة جيل الشباب ومشكلة البطالة ومواقفهم من مجتمعاتهم ومن أنفسهم واكتفت البحوث بتحليل المشكلة بوصف بعض جوانبها وتحديد حجم بعض أعراضها وركزت على أبعاد المواقف التي انحصرت في اتجاهات الشباب و تصرفاتهم ومواقفهم من المشكلة.

ولو أن مسؤولية الباحثين وأجهزة البحث المتخصصة والجامعات ليست في المحل الأول من مسؤولية هذا الوضع والواقع في تصوري لا يوفر فرصا كافية لإرضاء الشباب الخريجين وغير الخريجين لإرضائهم عضويا ونفسيا واجتماعيا ومواجهة مطالب الحياة المتجددة ومن ثم فهم في أزمة حتمية وإن كانت في مرحلة معينة من مراحل العمر يتم تجاوزها بمجرد الحصول على فرصة عمل لهم ولكنها في الوقت نفسه من اخطر مراحل العمر وأهمها من اجل حياة الأفراد والشعوب والمجتمعات بحيث يجب تداركها في حينها.

قد يكون صحيحا أن الشباب عموما وفي كل البلاد لهم خواص مشركة ولكنه صحيح كذلك أن للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب في بلد ما تأثيرا كبيرا في أخلاقهم وميولهم وبالتالي سلوكهم ونشاطهم مما يجعلهم يتميزون في ذلك عن غيرهم من شباب بلد آخر.

سليمان فارووق درويش

* الكتاب: البطالة في الوطن العربي المشكلة والحل

*الناشر: النيل العربية - القاهرة 2005

*الصفحات: 196 صفحة من القطع المتوسط