يتصدى هذا الكتاب لمناقشة واحدة من القضايا المهمة في علاقتنا مع الغرب ألا وهى قضية الهوية الإسلامية في أوروبا والمشكلات التي تحيط بعمليات اندماج المسلمين هناك. وعلى مدى خمسة عشر بحثاً قدمها المشاركون في إعداد مادة الكتاب يتطرق الكتاب إلى تطبيق الرؤى المختلفة للقضية الأساسية على ما يجري في فرنسا، من خلال استعراض تحليلي للجدل حول الحجاب مع قراءة في ردود الفعل المختلفة داخل فرنسا وفي الدول العربية والإسلامية.
في استعراضه لجوانب القضية من خلال دراسة حول إيجابيات وسلبيات وضع المسلمين في أوروبا .. رؤية من الداخل يشير صلاح الجفراوي المنسق بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم إلى أن قضية الحجاب نهاية لمسيرة طويلة مع الأقلية المسلمة في أوروبا من التسامح إلى حد ما وبداية لمسيرة ستكون صعبة جداً على الأقلية المسلمة، معرباً عن تقديره بأن الأمر لن يقف عند حد فرنسا فقط أو عند قرار أو قانون منع ارتداء الحجاب في المدارس.
أما عن سبب ظهور هذه القضية فيرجعها إلى ما يراه ضعف الاندماج بين الآلية المسلمة في المجتمعات الأوروبية والغربية عموماً، إلى جانب الخوف من الإسلام والنظر إليه على أنه جسم غريب يهدد الثقافة الغربية.
وفي إشارة إلى أهمية التعامل السليم مع تطورات هذه القضية تدعو الدكتورة منى أبو الفضل أستاذة العلوم السياسية إلى ضرورة الوعي بأبعاد السياق الذي يثار فيه الجدل المعاصر بشأن الحجاب في فرنسا والهوية الإسلامية عموماً في أوروبا، مشيرة إلى أنه سياق له أبعاد سياسية وتاريخية وأبعاد ترتبط بذاكرة قومية وذاكرة تاريخية بعيدة وسياق يرتبط بقراءة الواقع المعاصر وخصائص هذا الواقع.
وتشير إلى أن العالم الإسلامي اليوم في لحظة فارقة تتطلب من أصحاب الفكر بذل الجهد ومحاولة إعادة صياغة الوعي بالتاريخ وبذاكرة الهوية الإسلامية في أوروبا وذلك بإرساء ذاكرة جديدة هي ذاكرة الحوار والعلاقات الأوروبية الإسلامية، مضيفة أننا أمام فرصة لم تتح لأجيال سابقة وهذه لحظة تاريخية يمكن من خلالها فتح آفاق التنوير في إطار العقل والفكر.
وإذا كان السؤال المحوري الذي تثيره قضية الحجاب يدور حول ما إذا كان يعكس تشدداً علمانياً في فرنسا أم يعكس عداءً للإسلام، فإن الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية يشير إلى صعوبة مناقشة مسألة الحجاب بمعزل عن طبيعة وخصوصية النموذج الفرنسي، وهنا يؤكد على أنه إذا كان الخطاب العربي يرفض التدخل في شؤوننا الداخلية ويدعو إلى ضرورة التمسك بالخصوصية الحضارية والثقافية للعالم العربي فإن هذا الخطاب يبدو متناقضاً مع الخطاب الذي يطالب فرنسا ألا تحترم خصوصياتها الثقافية والحضارية.
فيما تذهب الدكتورة حورية توفيق مجاهد أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة إلى أن القول ان على فرنسا أن تصهر الجميع ليصبحوا فقط مواطنين فرنسيين وتجنب تعدد المجتمع يتجاهل الفرق بين المجتمع والنظام السياسي والدولة، مشيرة إلى أن ما يحدث حالياً هو عولمة من نوع جديد تقوم على فرض الاستيعاب أو الاندماج بالقوة،
فيما أن الاستيعاب أو الاندماج لا يكون بالقوة وإنما هو رغبة الأعلى في أن يتقبل الآخر ويعطيه نفس الحقوق والواجبات مع الأخذ في الاعتبار أيضاً رغبة الأدنى في أن يترك قيمه الخاصة به. وتستطرد في شرح رؤيتها لقضية الحجاب مشيرة إلى أنه ليس رمزاً سياسياً كما يذهب البعض، وإنما هو احترام وصيانة للمرأة ومظهرها.
ثم يتطرق الكتاب إلى مظهر آخر من مظاهر القضية من خلال قضية حظر ارتداء الحجاب في ألمانيا من خلال التساؤل حول إمكانية انطباق نظرية الدومينو بمعنى احتمال تكرار حالة سن قوانين تمنع المجاهرة بالهوية الدينية من خلال العلامات الدينية الظاهرة في دول أوروبية أخرى.
ومما يشير إلى ذلك أنه بعد أيام معدودة من قرار شيراك بشأن دعوته لإصدار قانون يحظر ارتداء كل الرموز الظاهرة الدالة على الهوية الدينية في المدارس الحكومية ومنها الحجاب تصاعد الجدل في ألمانيا على خلفية قضية المدرسة الألمانية المحجبة والأفغانية الأصل ضد حكومة ولاية فورتمبورج بسبب منعها من التدريس لارتدائها الحجاب وهى القضية التي تداولتها لعدة شهور المحكمة الدستورية العالية
ثم أصدرت حكماً مؤداه انه لا يحق لأي ولاية أن تمنع التدريس بالحجاب في مدارسها طالما أن قوانينها لا تنص على هذا الحظر، وهو الحكم الذي أطلق سباقاً محموماً بين الولايات الألمانية الخمس عشرة لسن وتشريع قوانين جديدة تحظر الحجاب في المدارس صراحة. وهكذا يبدو أن العجلة قد دارت في ألمانيا رغم انقسام الألمان أنفسهم حول هذه القضية وهو الانقسام الذي ظهر واضحاً في تصريحات ومواقف الساسة والمسؤولين صبيحة قرار شيراك. ثم يشير الدكتور عمرو حمزاوي إلى أن الإسلام أصبح جزءاً مكوناً لحركة المجتمعات الأوروبية،
والثاني أن التعامل الجاد مع الإشكاليات التي يطرحها وجود الجاليات العربية الإسلامية هناك يقتضي إدراك التنوعات الموجودة بين المجتمعات المختلفة بصفة عامة وفي داخل المجموعات العربية ـ الإسلامية بصفة خاصة فلسنا حسبه أمام كتل صماء، حيث أن هناك اختلافات واسعة بين الجيل الأول وهو جيل العمالة التركية أو المغاربية التي أتت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وأعمارهم تتراوح الآن بين 60 إلى 80 سنة والجيل الثاني وهو في الأغلب
إما أن آت إلى الدولة الأوروبية المعنية في سن صغيرة أو ولد بها، ثم هناك جيل ثالث لا يعلم أي شيء عن بلاد المهاجر إلا في صورها التي ترتبط بالعطلات الصيفية أو بالأقارب القادمين من تلك البلاد البعيدة وبين هذه الأجيال اختلافات قيمية ومعرفية شاسعة فنظرة الجيل الأول تحكمها مسألة أو حلم العودة إلى الوطن، أما الجيل الثاني والثالث بل والرابع في الحالة الفرنسية على سبيل المثال فقد انفصلوا تماماً نفسياً وعملياً عن حلم الوطن البعيد ويقوم إدراك كل منهم الذاتي بالأساس على كونه مواطناً أوروبياً.
وفي تفسير لأبعاد القضية وفق دراسة غربية يذهب الكتاب إلى ان تطور وضع الأديان في فرنسا يظهر عدة خصائص تشير من ناحية إلى تراجع في الكاثوليكية وفيما يتصل بالإسلام من ناحية أخرى تذهب الدراسة إلى أنه يمثل تحدياً للنظام العلماني الفرنسي، الأمر الذي يعود بشكل أساسي إلى الفشل في الاندماج نتيجة أسباب اجتماعية واقتصادية.
وعلى ذلك فالتفسير الذي قد يعكس حقيقة الأزمة هو أن النظام العلماني في فرنسا يمر بمرحلة انتقالية وعليه أن يختار أحد خيارين إما التكيف مع معطيات التنوع الثقافي الجديد أو يظل على صلابته ولا يستجيب لتطورات هذا العصر التي يفرضها عليه هذا الأمر.
وفي قراءة لردود فعل المسلمين في فرنسا يشير الكتاب إلى رفض أغلبهم لتوصيفهم باعتبارهم جالية، وكذلك رفض كلمة أقلية لأن كلتيهما تحمل مضموناً مؤداه أن إقامتهم في هذه البلاد ذات صفة مؤقتة بينما هم جاؤوا ليبقوا وليكونوا مواطنين يتمتعون بجميع استحقاقات المواطنة.
مصطفى عبدالرازق
* الكتاب: الهوية الإسلامية في أوروبا.. إشكاليات الاندماج
*الناشر: كلية الاقتصاد - جامعة القاهرة 2005
*الصفحات: 337 صفحة من القطع الكبير
