بادر جون فريمان المحرر الثقافي بصحيفة «الاندبندنت» اللندنية إلى إجراء هذا الحوار مع الروائي الأميركي تشارلز فريزر على الرغم مما عرف عن هذا الأخير من التزامه الصمت وإحجامه عن إجراء المقابلات الصحافية، وذلك بمناسبة إطلاق رواية فريزر التي طال انتظارها قرابة عشر سنوات بعنوان «ثلاثة عشر قمراً» والتي اقتحمت المرتبة الثانية في قائمة أفضل الكتب مبيعاً في صحيفة «نيويورك تايمز» فور صدورها، حيث ألقى الضوء على أجواء هذه الرواية، وشدد على أنه كان في مقدمة اهتماماته خلال عكوفه على كتابتها ألا يعيد من خلالها كتابة روايته الأولى التي حققت نجاحاً مدوياً، وهما بعنوان «الجبل البارد» والتي تم تحويلها إلى فيلم أطلقته هوليوود في إطار إنتاج ضخم لم تشهده منذ سنوات طويلة.
وفيما يلي نص المقابلة: هناك أشياء كثيرة يود تشارلز فريزر الحفاظ عليها في ولاية نورث كارولينا التي ولد ونشأ فيها، ولكن في الوقت الراهن هناك أمران يشغلان تفكيره من بين هذه الأشياء، المكتبات المستقلة ولغة التشيروكي، ويمكن لروايته الجديدة «الأقمار الثلاثة عشر» أن تحدث فارقاً بالنسبة لهذين الأمرين كليهما. وقد جلس في مكتبة كويل ريدج في راليغ بنورث كارولينا وبدأ في إطلاق روايته. وبدلاً من الانطلاق في جولة لترويج كتابه في المدن الأميركية الكبرى والبرامج الحوارية الصباحية اختار أن يطلق «الأقمار الثلاثة عشر»، التي ربما كانت الرواية الأكثر إثارة لحماس القراء في أميركا على امتداد عقد من الزمن، في هذا المتجر الصغير المستقل المتخصص في بيع الكتب.
ساد مناخ من البهجة في القاعة الخلفية بالمكتبة، فيما مضى فريزر يوقع على نسخ من الرواية تراكمت في كومة في حجم سيارة لاندروفر، ووقف العاملون في المكتبة في صورة سلسلة بشرية لنقل النسخ الموقعة منه إلى حيث تتلقاها أيدي القراء المتلهفين. يقول فريزر: «لقد راهنوا عليَّ في هذه المكتبة عندما كنت لا أزال روائياً يطلق روايته الأولى». ويبتسم صاحب المكتبة مثل أم فخورة بابنها.
تحكي «ثلاثة عشر قمراً» قصة إلحاق الدمار بأمة التشيروكي التي تعد من أبرز قبائل الهنود الحمر، والتي كانت في وقت من الأوقات بمثابة بلد داخل بلد في الولايات المتحدة، من خلال عيني البطل ويل كوبر، وهو رجل في التسعين من عمره كان أحد زعماء التشيروكي قد تبناه، وهو لا يزال فتى في الثانية عشرة من العمر. وهو في هذه المرحلة العمرية المبكرة نفسها يلتقي بالفتاة التي يقع في هواها ويظل يطاردها طوال عمره.
وعندما لا يكون مشغولاً بمتابعة حبه الحقيقي الوحيد، فإنه يتصدى لمد المعاهدات الظالمة التي تفرضها واشنطن على أمة التشيروكي وتوسع البيض غرباً على حساب الهنود الحمر، وهو المد الذي أطلقه الرئيس أندرو جاكسون من خلال قانون ترحيل الهنود الصادر عام 1830 والذي نفذه الجيش الأميركي في عام 1838. ويساعد كوبر في نهاية المطاف في تأمين قطعة صغيرة من أراضي الأسلاف لمجموعة من أمة التشيروكي، وهذه الأرض لا تزال موجودة حتى اليوم تحت أيدي هنود التشيروكي وتعرف باسم «الحزام الشرقي».
قام فريزر بالكثير من العمل في إطار محاولة إبداع النسيج والإحساس الخاصين بالعصر على أراضي التشيروكي، وقد تعلم وصفات إعداد حساء الدب ويخنة السترة الصفراء، وفي مشهد واحد قصير يلعب ويل كوبر نوعاً من ألعاب الكرة الخاصة بالتشيروكي، وهي اللعبة التي أمضى فريزر أياماً عدة في إجراء أبحاث عليها من دون أن يصل إلى فكرة حول كيفية لعبها.
وفي نهاية المطاف صادف ذات يوم في ملعب محلي خاص بالتشيروكي أحد أبناء التشيروكي وهو يلعب هذه اللعبة عند الغسق، ويقول معقباً على ذلك: «الكرة التي تؤدي بها هذه اللعبة صغيرة للغاية، في حجم كرة البينغ بونغ».
على الرغم من كل الأصالة الثقافية التي يتمتع بها أبناء أمة التشيروكي، فإنهم كانوا قد بدأوا في الاندماج مع البيض بحلول الوقت الذي تم فيه تمرير قوانين ترحيل الهنود. ويقول فريزر في هذا الصدد: «كانت لديهم دار خاصة بمجلسهم الاستشاري وبناية لمحكمة عليا، وكانوا قد شرعوا في إنشاء متحف، كان الأمر لا يمكن تمييزه عن الكيفية التي كان الناس يعيشون بها في مزارع البيض الكبيرة في جورجيا».
وقد نشأ فريزر، وهو ابن ناظر مدرسة ثانوية وأمينة مكتبة، على مسافة جد قصيرة من هذه المنطقة، عندما كان لا يزال من المألوف رؤية المزارعين وهم يحرثون الأرض مستخدمين البغال، وكان يدرس مع بعض الفتية من أبناء هذه المنطقة في مدرسة واحدة. ويقول في هذا الصدد: «مازلت أتذكر الوقت الذي كان هناك فيه أناس يحرثون الأرض بالطريقة التقليدية. وفي هذا الجزء من الولاية، حيث لا تزال أجهزة البيع تشترى منها شرائح اللحم المشوية،
ولا يزال سائقو القطارات يدعون النساء بقولهم: «سيداتي!» فإن هذه الأمور لها أهميتها. وقد قال أحد قادة المنطقة عن فريزر: «إنه فتى ريفي لا أكثر». وعندما حصل فريزر لأول مرة على النسخ التي تهدى لمراجعي روايته الجديدة لم يبعث بها إلى أصدقاء من الكتاب، وإنما أحضرها بنفسه إلى منطقة الشريط الشرقي ليتبين رأي أعضاء مجلس القبيلة فيها.
يقول فريزر: «أعطيتها لبعض كبار القبيلة وللزعيم هيكس وآخرين لقراءتها، ثم رتبنا غداء لتجاذب أطراف الحديث حولها. ومن الأمور التي قلتها في ذلك اليوم إن ما أحاول القيام به في هذا الكتاب هو ألا أحكي قصتكم، فأنا أحكي قصتنا، قصة هذه الأرض التي استقررنا عليها جميعنا».
لم تغب أهمية هذه الإيماءة عن «الحزام الشرقي»، فقد كان أقارب فريزر من بين المستوطنين البيض الذين أخرجوا الكثير من أبناء التشيروكي القريبين من أرضهم. ويقول فريزر: «لقد جاء أسلافي إلى نورث كارولينا بعد وقت قصير من إبرام إحدى تلك المعاهدات، بعد أن فتحت الحرب الثورية الأرض إلى الغرب من أشفيل أمام الاستيطان من قبل البيض. وما حدث هو ما يحدث عادة، فقد أقبل بعض الموسرين، وابتاعوا مساحات هائلة من الأرض، وقاموا بتأجيرها إلى أناس أقل مقدرة من الناحية المالية».
ولدت رواية «ثلاثة عشر قمراً» من رحم هذا التراث. وفي رواية بيعت مقابل مبلغ الثمانية ملايين دولار الذي ذاع خبره استناداً إلى صفحات قلائل وإطار عام لها، خطط فريزر مبدئياً لمتابعة تطورات حياة وليام هولانر توماس وهو من رجالات الجنوب، وكان التشيروكي قد تبنوه في صغره، ومضى ليمثلهم أمام الكونغرس. وفي وقت لاحق قضى نحبه في مستشفى للأمراض العقلية.
وفيما شرع فريزر في دراسة توماس، بدأ في التوصل إلى وثائق توضح أنه لم يكن بمثابة خروج عن القاعدة السائدة وأن حياة المستوطنين البيض والهنود الحمر كانت أكثر تداخلاً. وهو يقول: «عندما أقبل الجيش الأميركي لطرد التشيروكي من أرضهم، احتفظوا بدفاتر سجلت فيها ممتلكاتهم لأنهم كانوا من المفروض أن تدفع لهم قيمة هذه الممتلكات عندما يمضون غرباً.
محطات في حياة فريزر
* ولد الروائي الأميركي تشارلز فريزر في 1950 في أشفيل بنورث كارولينا، ونشأ في جبال هذه الولاية الأميركية وتخرج من جامعة نورث كارولينا في 1973، وحصل على درجة الماجستير من جامعة الولاية وعلى الدكتوراه في الإنجليزية من جامعة ساوث كارولينا في 1986.
* تصدرت روايته الأولى بعنوان «الجبل البارد» قائمة أفضل الكتب مبيعاً لأسابيع طويلة وحصلت على جائزة الكتاب الوطنية في 1997 ونقلت إلى الشاشة الفضية في عام 2003.
* صدرت روايته الثانية مؤخراً «ثلاثة عشر قمراً» وحصل المؤلف على مقدم من الناشر عنها يصل إلى ثمانية ملايين دولار، في وقت لم يكتب المؤلف إلا مذكرة بخطوطها العريضة وصفحات قلائل منها فيما يعد رقماً قياسياً جديداً على المستوى العالمي.
منى مدكور
