مؤلف هذا الكتاب الباحث التونسي فرج بن رمضان مُدرّس الأدب العربي والمُشرف على وحدة البحث في المُتخيَّل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس علاوة على كونه أحد الباحثين العرب الناشطين المشتغلين في حقل الدِّراسات السرد ـ ثقافية ودراسات النسوية العربية.

يعالج الباحث فرج بن رمضان، في هذا الكتاب، إحدى ليالي ألف ليلة وليلة ذلك النصُّ الذي يرى ابن رمضان أنه لم ينل نصيباً كاملاً من الدراسة والتحليل رغم الجهود المبذولة في العقود الستة الأخيرة لإحياء هذا النص ووضعه على طاولة القراءة والتحليل. فقياساً بما كُتب بصدد أيام العرب ومجالسهم في الجاهلية والإسلام فإنَّ نص الليالي يظل نصاً بكراً خاصةً أنَّ الثقافة العربية قد تطرَّفت في تلقيه حتى أنَّه قد حُكِم على طبعاته المختلفة بالحرق؛

لأنه يروِّج للمتع والانحلال علاوة على مضامينه التي تُخالف الوقائع التاريخية وتستهين بالقيم والثوابت الثقافية الإسلامية حيث جرأتها في تناول سير الخلفاء والمبالغة في وصف ملذّاتهم وسرد تفاصيل حيواتهم.

لكنَّ كتاب «ألف ليلة وليلة» وجد مساحة مهمة في مشاغل الباحثين والنقاد المعاصرين فقطعت نصوص الليالي شوطاً مهماً في التلقي والتداول وأصبحت مجالا حيويا للدرس الأكاديمي العربي، الذي طالما أظهر تحفظا واحترازا من تناوله، بعد أنْ التفتت إليه دوائر الاستشراق الغربي ورأت فيه مادة غنية للكشف عن وجوه النص الثقافي الحقيقية الأمر الذي دفع عميد الأدب العربي طه حسين إلى توجيه سهير القلماوي عام 1941 إلى كتابة أطروحة حول نصوص الليالي.

وحسب الباحث فرج بن رمضان فإنَّ علاقة الثقافة العربية بنصّ الليالي تمتاز بكونها معقَّدة ومركَّبةً مما يمنح دراسة نصوص الليالي أهمية خاصة لا تتوافر عليها النصوص الأخرى. فخصوبة نصوص الليالي، المتأتية من قدرتها على الكشف عن أعماق الذوات الفردية والجمعية الواعية واللاواعية حيث تضطربُ أعتى الرغبات وأشد المخاوف والتداعيات والهواجس وأقوى الأحلام والمُثل والطموحات، يجعلها هدفاً مهماً لإنجاز عمل تطبيقيٍّ جزئيٍّ يلتمس مدخلاً جديداً هو «المتخيل مفهوماً وموضوعاً».

أمَّا المسلكُ التطبيقيُّ فيحدده فرج بن رمضان في «صورة الأم»، ذلك أنَّ الصورةَ هي المكوِّن الرئيسيّ في بنية المتخيل، علماً أنّ الصورة في حقل المتخيَّل تتجاوز الإدراك الحسيّ ببعده البصري بل تتشكَّلُ بالدخول في اللامحسوس واللامرئي الواعي وغير الواعي تحديداً.

أمّا دوافع اختيار نصّ «حكاية جودر بن عمر التَّاجر مع أخويه» فتتمثّل، حسب فرج بن رمضان، في كون هذه الحكاية من الحكايات الزاخرة بقضايا الجنس والمرأة والأمومة، إضافة إلى طاقتها السردية حيث تشيعُ المكوِّنات الغرائبية والمفارقات الزمانية والمكانية والكثافة الرمزية فضلاً عن تحولات برنامجها السردي وحركة الشخوص الأمر الذي يرشِّحها للاندراج في جنس «الحكاية العجيبة» التي تعدُّ مادّةً مهمة لدراسة الرمزيات والسيميائيات التي تتخذ حقل المتخيل موضوعاً لها.

وهناك دافع إضافيٌّ تشكّلَ نتيجة ما أثارته قراءته تحليل عبد الوهاب بوحديبة لهذه الحكاية في كتابه الموسوم ب«الإسلام والجنس» . وهذا يعني أنّ فرج بن رمضان يخوضُ مُقارأةً تسعى لنقد مشروع بوحديبة وإعادة تشكيل فرضياته المستندة إلى مفاهيم التحليل النفسي من موقع الدارس الأدبي لإثبات جدوى المعالجة الإجرائية المتعددة والبرهنة على فعاليتها في قراءة الأدب العربي في الثقافتين: الشعبية والعالمية، وفي مختلف أجناسه على امتداد عصوره.

ويقوم العمل على ثلاثة محاور كبرى؛ عرض تحليلي لحكاية جودر بن عمر التاجر مع أخويه، وعرض قراءة بوحديبة، وقراءة تركيبية تتضمَّن نقد قراءة بوحديبة.

بسط فرج بن رمضان،في المحور الأول، عرضاً تحليلياً لحكاية جودر بن عمر التاجر مع أخويه من خلال إثارة إشكالية الحكاية المركزية المتمثِّلة في تنازع الإخوة على الحظوة لدى الأبوين. وتتأسس هذه إشكالية على عقدة هي «عقدة جودر» التي تماثل، حسب فرج بن رمضان، عقدة يوسف (عليه السلام). فجودر حظي بحبٍّ خاصّ وعلاقة مميزة بين أخويه (سالم وسليم).

أما المحور الثاني فيستعرض فيه فرج بن رمضان قراءة عبد الوهاب بوحديبة لحكاية جودر في كتابيه: «الإسلام والجنس»، و«ثقافة ومجتمع». وتكمن خصوصية قراءة بوحديبة في كونها أول قراءة تتناول حكاية جودر بالتحليل علاوة على تعمُّقها في النَّظر في أهمّ مقاطعها المتّصلة بصورة الأم وعلاقة الابن بها.

إذ عدها بوحديبة من أهم الحكايات العربية الكاشفة عن الأفكار المتعلقة بالحياة الجنسية والعلاقات بين الجنسين في المجتمعات العربية نظراً للمكانة التي تتبوأها الأم في المتخيل الجمعي ودورها في تشكيل العلاقات الإنسانية لدرجة أنَّ صورة الأم تضخّمت فلم تعد تقترن، حسب بوحديبة، بالبرّ والتّوقير والإحسان فحسب وإنما بالعبادة.

أما المحور الثالث فيتضمن نقداً لقراءة بوحديبة وإعادة تركيب قراءة جديدة. ومنذ البداية يقرّ فرج بن رمضان بألمعية المقترب الذي قدمه بوحديبة لتطوير مفهوم انثربولوجي أصيل ينتمي نصاً ونسقاً إلى الثقافة العربية. ويرى إمكانية تطوير مفهوم «عقدة جودر» من خلال تحليل نصوص أخرى ثم تعميم المفهوم ليغدو مصطلحاً معرفياً متداولاً.

ويعين فرج بن رمضان وجه الافتراق بين مقاربته ومقاربة بوحديبة، فمنهج بوحديبة يقوم على منطلقات علمي الاجتماع والنفس في حين أنّ بوحديبة يعتمد على مبادئ علم الأدب. لذلك سيحاول ابن رمضان الكشف عن أبعاد عقدة جودر وعلاقتها بعقد أوديب.

وإذا كان فرج بن رمضان قد سوّغ قراءته ونقده لقراءة بوحديبة بالمفارقة المنهجية فإنه لم يقدم ملامح المنهج الذي اتكأ عليه إلا إذا رحنا نستخرجها معوِّلين على خبراتنا في القراءة والنقد. لقد اعتمد فرج بن رمضان على مبادئ السرديات الدلالية عند تودوروف وتطعيمها بمبادئ التحليل النفسي اللاكاني.

ويرى فرج بن رمضان أن قراءة بوحديبة قراءة جزئية انتقائية؛ لأنها اعتمدت على حكاية داخلية واحدة هي: حكاية الكنز.لذلك راح فرج بن رمضان يستكمل تأويل الرموز التي أغفل عنها بوحديبة وهي رموز تتعلَّق بالمفاهيم الانثربولوجية الكاشفة عن معاني الخصاء بكافة دلالاته. ومن هذه الرموز: الأسد، والثعبانان، والسيف.

لذلك الكتاب يمثِّل اتجاهاً نقدياً مهماً في الثقافة العربية، وأنَّ تطويره واستثمار مبادئه وآلياته التأويلية من شأنه أنْ يُقدِّم للمعرفة والقارئ العربيين الكثير من المنافع التي لا تتوقف عند حدود القراءة الأدبية المجردة وإنما تتجاوزها لتحقيق قراءة انثربولوجية قادرة على الكشف عن أبعاد الهوية الحضارية ومآزقها الثقافية.

د.هيثم سرحان

* الكتاب: صورة الأم في المُتخيَّل العربي

*الناشر: دار محمد علي الحامي صفاقس، تونس 2006

*الصفحات: 120 صفحة من القطع المتوسط