مؤلف كتاب «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» هو العلاّمة الحافظ الناقد المؤرخ «محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر» الملقب بشمس الدين السخاوي الأصل، القاهري النشأة والمولد، ولد سنة 831 هجرية، عند بلوغه الرابعة من عمره بدأ يحفظ القرآن الكريم، قرأه بالقراءات على جماعة من العلماء، ثم حفظ كثيراً من كتب الفقه والحديث وعلوم العربية، فظهرت عبقريته حتى شهد له علماء عصره، ورحل بعد ذلك إلى الحجاز ثم بلاد الشام، فزار حلب وحماه وبعلبك ودمشق.
وكان في كل مدينة يحدّث بمروياته ومؤلفاته، وكان بارعاً، في العلوم النقلية والعقلية، وقد ولي بعد ذلك قراءة الحديث في كثير من المدارس المصرية وانتهت إليه رياسة علم الحديث وعلم التاريخ، وقد صنف كثيراً من المصنفات في علوم الحديث والتاريخ فكانت مرجع العلماء وأهل التخصص، ولم ينازعه أحد في إمامة علماء الجرح والتعديل ونقد الرجال، لما حصّله من تلك العلوم بالرحلة ولقاء الشيوخ وملازمة العلماء.
شغل «السخاوي» حياته كلها بالتأليف والرواية والسماع، حتى توفي بالمدينة المنوّرة في سنة 902 هجرية، ودفن بالبقيع، بجوار الإمام مالك. ابتدأ «السخاوي» في التأليف، قبل أن يكمل العشرين من عمره، واجتمع له في مؤلفاته حسن الرصف وصحة النقد، وزادت مؤلفاته على أربعمئة مجلد، ذكر أكثرها في كتابه «الضوء اللامع» وذكر منها كثيراً تلميذه «ابن غازي» في فهرسته، ويغلب عليها فنون الحديث والتاريخ.
أما كتاب « السخاوي» «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» فهو كتاب جامع، وفيه من الصناعة الحديثية ما ليس في غيره، والنكات العلمية ما خلا منها غيره، مع التحرير والإتقان قال ابن العماد الحنبلي : وهو أجمع من كتاب السيوطي المسمّى «بالدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة»، ولذا أصبح محط أنظار العلماء، فتناولوه بالدرس والاختصار.
هذا وما زالت «المقاصد الحسنة» مرجع العلماء المحققين، لتحرير أحكامها وحسن نظامها، فعم الانتفاع بها.
وقد أورد في المقدمة خطة عمله :«فهذا كتاب رغب إلي فيه بعض الأئمة، أبين فيه ما على الألسنة اشتهر، مما يظن أنه من الخبر، ولا يهتدي لمعرفته إلا جهابذة الأثر، وقد لا يكون فيه شيء مرفوع، وإنما هو في الموقوف أو المقطوع، وربما لم أقف له على أصل أصلاً، فلا أبتُّ بفصل فيه ولا قولاً،
وقد رتبته على حروف المعجم في أول الكلمات، وإن كان ترتيبه على الأبواب للعارف من أكبر المهمات، ولذا جمعت بين الطريقتين، ورفعت عنّي اللوم ممن يختار إحدى الجهتين، فبوبت للأحاديث بعد انتهائها، وأشرت لمظانها من ابتدائها»
وهكذا يقسّم الكاتب كتابه على قسمين رئيسين : الكتاب الأول فيعرض فيه الأحاديث الشريفة مبتدئاً بالحرف الأول منها، ليكون لدية ثمانية وعشرون باباً، بدأها بالحديث : «آخر الدواء الكي» ليقول كلاما معناه أنه بعد انقطاع طرق الشفاء يعالج به، ولذا كان أحد ما حمل عليه النهي عن الكي، وجود طريق مرجو الشفاء.
وهو يأخذ متن الحديث، ويعرض لنا الخلاف في كلماته، وسند هذا الحديث، مبيناً حالته من الضعف والقوة والصحة، فمثلاً حديث: «آفة الحديث الكذب وآفة العلم النسيان» يقول عنه: سنده ضعيف إلاّ أنه صحيح المعنى، ثم يقلّب لنا طريقه وقولهم : آفة العلم النسيان وإضاعته أن تحدّث به غير أهله «.. وهكذا.
ويختم كتابه في حرف الياء بحديث :«يوم القيامة على المؤمنين، كقدر ما بين الظهر والعصر» بعد أن استعرض لنا ألف وثلاثمئة وستة وخمسين حديثاً، وكان في الحديث ما قبل الأخير :«يوم صومكم يوم نحركم» قد قال لا أصل له، كما قال أحمد وغيره.
وبذلك يكون كتاب المقاصد الحسنة قد استعرض لنا كثيراً من الأحاديث المشهورة على الألسنة وبين سندها وبنيتها وأعطى رأيه فيها بعد معاينة مدهشة ودقة نادرة، وهو في هذا لا يخرج عن مسيرة علماء المسلمين الذين تتبعوا الحديث الشريف بعد أن كثرت الزيادة فيه، وأصبحت كل جماعة تضيف بما يناسب، رؤيتها من أحاديث تقوي فيها من موقفها.
أما الباب الثاني فجاء في ترتيب الأحاديث الشريفة على الأبواب، فبدأها بكتاب الإيمان «الأعمال بالنيات، نية المؤمن أبلغ من عمله» ثم جاء كتاب الأدب: «السلام قبل الكلام، إن أبخل الناس من بخل بالسلام، ثم كتاب العلم طلب العلم فريضة على كل مسلم، اطلبوا العلم ولو في الصين» ثم كتاب الطهارة : «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» ويختم الإمام كتابه، بكتاب البعث والنشور، ليكون كتابه مرجعاً لا بد منه لمن يريد معرفة الأحاديث الشريفة وأحوالها.