تأخذ المهرجانات الثقافية أهميتها مما تطرحه في جدولها الفكري، فإذا كانت أنشطتها مبتكرة وشاملة لكل المدى المعرفي نالت الرضا، وإذا كانت مقتصرة على نسق فكري واحد تحزب لها عدد قليل من المثقفين، وينطبق هذا الأمر أيضا على البرامج الفكرية التي تصاحب معارض الكتاب، أو التشكيل، أو مهرجانات المسرح، وكل ما يتصل بهذا الشأن ثقافياً ومعرفياً.
المهرجانات الثقافية تقسم عادة إلى أنشطة فكرية ،عبارة عن محاضرة أو ندوة أو أمسية شعرية، وأنشطة موسيقية تقدمها فرقة غنائية تراثية وبعض عروض فلكلورية ،ولا بأس بعرض أوركسترالي مستضاف من إحدى الدول الصديقة، ويكون هناك أيضا نشاط تشكيلي عبارة عن معرض لوحات أومنحوتات ولربما صور فوتوغرافية توثيقية، ويمكن لأي مهرجان ثقافي أن يدعم لمعانه ببعض النجوم المعروفين أو المشهورين في عالم الثقافة و عموما الشهرة لا تعني الأفضلية.
على هذا المنوال تمتد المهرجانات العربية من الشرق إلى الغرب وجميعها يقام بوتيرة سنوية متكررة وفي فصل مناسب حتى يتمكن المثقفون من الحركة دون مطر أو دون شمس حارقة، فالخليجيون مهرجاناتهم شتوية والشاميون والمغربيون والمصريون يحبذونها صيفية إلا ما ندر. وهكذا تصبح الخريطة الثقافية خاضعة لتقلبات الطقس كما هو حال الكتاب الذي يخضع لمزاجية الرقيب فمرة يمنعه وأخرى يفسحه وثالثة يطنش عليه وكأنه لم يره.
تتخذ معظم مهرجاناتنا الثقافية من أروقة المؤسسات وقاعاتها مسرحا لأنشطتها، وكل من لا يقصد مؤسسة ثقافية لن يحظى من المهرجانات سوى ما تنشره الصحف، وحبذا لو التفتنا إلى هؤلاء في مواقع أخرى من الحياة وقررنا الذهاب إليهم كما تفعل جملة « الثقافة الجماهيرية » حيث تتوجه في نشاطها إلى فئات من الطلاب أو الموظفين، ولا بأس بالمرضى أو المعاقين وغيرهم ممن لا تتاح لهم الظروف المناسبة لحضور نشاط ثقافي، وبذلك يمكن لأي مهرجان أن يكسب شريحة جديدة من المهتمين.
و قد كانت وزارات الثقافة في عدد كبير من دول العالم تعمل على نشر الثقافة الجماهيرية عبر قوافل ثقافية ترسل إلى القرى البعيدة أو الأحياء النائية لتعرض لها الأفلام والمسرحيات، وكثيرا ما كانت شاحنة مجهزة بآلة عرض تختار حائطا أبيض في أحد البيوت وتسلط عليه موشور الضوء ليظهر فيلم السهرة حيث يتابع سكان القرية فيلما مجانيا وهادفا دون أن يكلفهم مشقة الذهاب إلى دار السينما البعيدة، أليست هذه خدمة ثقافية افتقدناها على طول الساحة الثقافية.
المهرجانات الثقافية لا تذهب إلى النخب فقط، لأن النخب ترى نفسها خارج الخطاب الثقافي الرسمي ولا ينفع معها إقامة مهرجان للشعر أو المسرح أو لسواهما، لأن النخب الثقافية بنيتها السيكولوجية قائمة على النقد والانسحاب وبالتالي لن يرضيها أي مهرجان مهما علا شأنه فالأفضل أن تذهب هذه الأنشطة لمن يقدرها ويعطيها شيئا من وقته واهتمامه، لعل جدوى المهرجانات تكون أكثر وأشمل.