نشرت هذه الرواية للمرة الأولى في عام 1937 في فيينا باللغة الألمانية باسم مستعار فالكاتب الحقيقي لا يزال مجهولا والاسم الذي تنسب له الرواية «قربان سعيد» مستعار، ويرجح النقاد انه كان لاجئا سياسيا في أوروبا وقد نشرت بالصدفة بعد أن عثرت عليها جينا غرامان بين كتب مستعملة في برلين في فترة خراب ما بعد الحرب ترجمتها بعدما اخذت بجودتها وبالقصة نفسها التي لم تكن عادية كما تدبرت نشرها في انجلترا واميركا.
يضطلع السرد بقصة حب بين علي خان شيرفان شير الأمير المسلم القوقازي الأذربيجاني المتحدر من (عرق مشكل على سندان باكو) والشيعي الجعفري ابن الصحراء والتقاليد الكربلائية،وبين نينو كيباني الجيورجية المسيحية المتأوربة(أجمل فتيات العالم التي تأكل بالشوكة والسكين وتعرض صدرها وشعرها للعيون).
تجري أحداث الراوية إبان الحرب العالمية الأولى وصراعات سلطان الإمبراطورية العثمانية محمد رشيد وجلالة شاهنشاه إيران احمد شاه وقياصرة الروس آل رومانوف و.. وتنتقل في أربعة فضاءات هي باكو عاصمة أذربيجان المتفجرة بالنفط والثارات وداغستان العصية وبلاد فارس المحتضرة وبلاد الغرب الأوروبي الناهضة حضاريا
يتدفق السرد الروائي الشاعري والشعري المشدود بسلاسة (كخرزات السبحة في الخيط) بدون توقف في استراحات رغم التفقير الرقمي المشهدي وبأسلوب الترجمة الذاتية الذي يجلي دواخل الراوي ويكشف ثقافته اللاتينية الواسعة وحدسه الحاد وكثيرا من أسرار شعوب منطقة القوقاز وعاداتها وتاريخها المعقد وأساطيرها وخرافاتها وغموضها والفروق والجوامع الطائفية والإقليمية الوطنية بين المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين الشيعة الجعفريين والروس والأرمن.
تستهل الرواية بعالم التلاميذ الصبية الجذاب في مدرسة باكو التي يدرس فيها ثلاثون مسلما وأربعة من الأرمن وبولنديان وثلاثة متعصبون من طوائف أخرى وروسي، عارضا مشاهد من النهج التعليمي آنذاك.
تسعى قصة الحب بين النبيل الفارسي والأميرة الجيورجية بلا معوقات. أبوه يوافق على زواجه بعد نصائح جبلية ( صل ولا تعاقر الخمرة، كن محسنا، وقاتل في سبيل عقيدتك، لا تسامح أعدائك، لا تفكر بالغد لئلا تصبح جبانا..) وأبوها يحاول إعاقته لكن إغراء مصاهرة الأمراء وحبه لابنته يدفعه للموافقة....لا يوحي تسارع الأحداث بأي منغص درامي، سوى نذر حرب العالمية الأولى..
كيف ستقلب الأمور والراوي لن يذهب إلى الحرب، أين الحبكة المنتظرة في رواية كلاسيكية مبنية على نسق زمني متتابع وشخصيات صريحة الصوت؟ هل ستحتمل رواية تقليدية الصمود بدون رافعة درامية..بعد صفحتين من منتصف الراوية ينفجر الحدث المنتظر فقد غدر صديق الراوي الأرمني ناتشاريان الغني وأغوى نينو الصغيرة ذات السبعة عشر عاما وخطفها في سيارته الحديثة التي لا تستجيب دروب باكو الوعرة لعجلاتها،
فيلحق به خان على حصان اسطوري لمينكوف فيصبح مطلوب دم مرتين، مرة لقتله نتشارايان والثانية لركوبه حصانا أغلى من امرأة دون أذن ، وتغير الرواية مسارها المصبوغ بالرومانسية إلى مسار واقعي ببراعة ، حيث نينو تلحق بحبيبها علي بمساعدة صديقه (سيد) إلى مكان اختبائه في قرى داغستان الوعرة معتذرة عن غلطتها ونزوتها فيغفر حبه لها ويتزوجها وتعيش معه زوجة وخادمة مطيعة كأي واحدة من داغستان وسعيدة أيضا لكن حياتها نتقلب عندما يرحلان إلى بلاد فارس بسبب الحرب وتعيش ضجرة في حرملك الأمراء تحت رعاية المخصيين
وتنصعق عندما ترى زوجها يمارس طقوس عاشوراء الدموية (شعرت بالخجل حتى الموت من كوني زوجة أحد المتعصبين البرابرة) وتقوم الراوية بعمل طباق روائي معاكس عندما يرشحه الأمير الفارسي لمنصب ملحق سياسي في الغرب الأوروبي فيعيش ما كانت تعيشه من تناقض ذاتي واجتماعي وعقيدي في إيران عندما يرى زوجته تراقص الضباط وتسامرهم فيكرهها في باريس كما كرهته في عاشورا فيسوق زوجته إلى باكو ليدافع عن بلدته ضد الغزو الروسي
ويشهد سقوط أذربيجان ويستشهد دفاعا عنها ، خبر الاستشهاد يأتي مكتوبا في ثلاثة أسطر في نهاية الراوية على لسان صديقه الياس بيك وهي خاتمة زائدة لم يكن لها من مبرر كبير رغم امتلائها بشحنات العاطفة.
تذكر حكايات الراوية الجانبية المضفورة في الرواية وحواراتها الرشيقة من فورها بكتاب القوقاز الأشهر داغستان بلدي وتمور الرواية بالأمثال والحكايات الشعبية وتتميز بنضجها الفني قياسا إلى الرواية العربية (والآسيوية) وتخلو من عثرات سردية وتشير إلى أن الكاتب استفاد من ثقافته الأوروبية في ذلك الوقت المبكر وتتميز حواراتها الحية بتشبعها بالحكمة الجبلية (نتشارايان يقول ساخرا: الصقور تأتي من الجبال والنمور من الأدغال فما الذي يأتي من الصحراء، أجبته: الأسود والمحاربون).
علي ونينو تحفة أدبية لا تمجد الحب رومانسيا إنما تختبره في فرن الحياة الحارق وعلى سندان صراعات الطوائف وبين مطارق الأعراق من وجه، وتعرض التاريخ عبر قصة حب من وجه آخر، إنها رواية طباقات روائية بين الإسلام القوقازي والمسيحية الأرثوذكسية وبين الشرق والغرب وبين التخلف والمعاصرة وبين الصحراء والجبل وبين الولاء للقلب والولاء للعقيدة.
( إنها ملحمة التغيير الثقافي التي تبدو وكأنها اقرب للزمن الحالي ) كما تقول النيوريوك تايمز.
