مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور كريستوفر تيرمان أستاذ علم التاريخ والقرون الوسطى في جامعة أوكسفورد. وهو يقدم هنا أحد أهم الكتب وأضخمها عن الحروب الصليبية ومعانيها ودلالتها. ومعلوم أن الرئيس بوش كان قد تحدث عن الحروب الصليبية بعد ضربة 11 سبتمبر، وقد اعتبرها البعض زلّة لسان عندئذ لأنها صادرة تحت هول الصدمة كرد فعل غير مضبوط أو غير مسيطر عليه. ولكن الواقع هو أن الأصوليين الأميركيين يشعرون في أعماقهم بأنهم يخوضون شيئا يشبه الحروب الصليبية ضد الحركات المتطرفة السائدة في العالم الإسلامي كالقاعدة وسواها.
فهل عدنا إلى الحروب الصليبية من جديد يا ترى؟ للإجابة عن هذا السؤال يؤلف الباحث المختص كتابا يتجاوز الألف صفحة عن الموضوع. يقول المؤلف بما معناه: في الأيام الأخيرة من شهر يونيو من عام 1095، أي قبل ألف سنة تقريبا، جاء البابا أوربان الثاني من إيطاليا إلى فرنسا لكي يوجه نداءه الشهير من أجل الحروب الصليبية، وما كان يدرك أن هذا النداء سيقلب مصير العالم. ينبغي العلم بأن هذا البابا كان من أصل فرنسي
وقد جاء إلى فرنسا، وإلى منطقته الأصلية بالذات، لكي يتذكر طفولته وشبابه الأولى. وينبغي العلم أيضا بأن الحملات المسيحية كانت قد توجهت من منطقته بالذات عام 1064 إلى اسبانيا لتخليصها من حكم المسلمين والعرب. فالمسيحية الإسبانية استغاثت بالفرنسيين آنذاك لكي يساعدوها على تحرير بلادها من الاحتلال العربي والإسلامي الذي دام عدة قرون.
وهكذا عبرت قوافل الفرسان المسيحيين جبال البيرينيه التي تفصل بين اسبانيا وفرنسا لكي تساعد أخوتها المسيحيين في اسبانيا. وبالتالي فالحروب الصليبية لم تبتدئ في أواخر القرن الحادي عشر وإنما في منتصفه، ولم تبتدئ في الشرق وإنما في اسبانيا ذاتها.
مهما يكن من أمر فإن الصراع بين الإسلام والمسيحية كان مشتعلا في تلك الفترة لأن المسيحيين انزعجوا جدا من انتشار الإسلام واحتلاله لكل البلاد التي كانت تابعة للدين المسيحي سابقا: أي للإمبراطورية البيزنطية زعيمة المسيحية الشرقية. فسوريا كانت مسيحية، وكذلك فلسطين، مهد المسيح، وكذلك مصر، الخ.
بل ولم يكتف المسلمون بفتح هذه البلدان وإنما انتشروا أيضا في كل أصقاع الأرض حتى وصلوا إلى اسبانيا بل وإلى جنوب فرنسا حيث جرت معركة بواتييه الشهيرة عام 732م. وهي المعركة التي أوقفت تقدمهم في أوروبا وجعلتهم يكتفون باحتلال اسبانيا وتشكيل الحضارة الأندلسية الزاهرة.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: لقد حصلت ثلاثة حروب صليبية متتالية بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. وكانت الأولى التي اندلعت عام 1095 بعد نداء البابا أوربان الثاني قد حققت نجاحات كبيرة بعد أن انتصر الفرنجة على الأتراك عام 1098 واحتلوا انطاكية.
وفي الثالث عشر من شهر يناير عام 1099 واصل الفرنجة الصليبيون مسيرتهم نحو القدس لتخليص قبر المسيح من أيدي المسلمين كما يزعمون. فهل كانوا يجهلون أن المسلمين يبجلون شخص المسيح ويدعونه عيسى بن مريم؟ من المعلوم أنه مذكور في القرآن الكريم أكثر من مرة كأحد الأنبياء الكبار. وبالتالي فما الداعي إلى تخليص قبره من أيدي المسلمين الذين يحترمونه ويجلونه؟
ولكن الجهل كان عاما وطاغيا في تلك الفترة، وأوروبا آنذاك ليست أوروبا الحالية، وإنما كانت تعيش في أحلك لحظات العصور الوسطى كما هو معلوم. وكان التعصب الديني عاما شاملا.
مهما يكن من أمر فإن مسيرة الصليبيين من معرة النعمان نحو القدس كانت سهلة نسبيا. لماذا؟ لأن الأمراء العرب الحاكمين آنذاك في تلك المناطق كانوا ضعفاء بالقياس إلى جيش الفرنجة الجرار والقوي. ولهذا السبب لم يفكروا حتى في مقاومته نظرا لاختلال موازين القوى، وإنما راحوا يتسابقون على استرضائه وتقديم المؤونة والمواد الغذائية له لكيلا يصيبهم بسوء. وهذا ما حصل في شيزر وطرابلس، ولكن ذلك لم يمنع من اندلاع الصراع بشكل محدود هنا أو هناك بين الصليبيين والمسلمين.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد استقبل المسيحيون المحليون وصول الصليبيين بالزغاريد والأفراح لأنهم وجدوا فيهم محرريهم من نير الحكم الإسلامي. بل ورأوا في هؤلاء الصليبيين القادمين من أعماق الغرب الأوروبي مناسبة لانتقام الصليب من الهلال! ومعلوم أنهم كانوا يعيشون في ظل الهيمنة الإسلامية منذ أربعة قرون: أي منذ الفتح العربي لمنطقة سوريا-فلسطين. هذا ما حصل في بيت لحم قبل الوصول إلى القدس.
ولكن القدس كانت قد أصبحت محتلة آنذاك من قبل العرب المصريين الذين انتزعوها من أيدي الأتراك قبل عشرة أشهر فقط. وقد جلبوا معهم الكثير من الجنود السودانيين للدفاع عن المدينة. وعندما سمعوا باقتراب الجيوش الصليبية من المنطقة عززوا الدفاعات والتحصينات من أجل مواجهتهم.
ولذلك لم يستطع الصليبيون الدخول إلى القدس إلا بعد محاولات عديدة ومستميتة. وقد استخدموا كل أنواع الأسلحة والتقنيات التي بحوزتهم من أجل اختراق التحصينات والأسوار. وأخيرا فتحوا ثغرة في أحد أبواب القدس ودخلوا منها إلى المدينة. وعندئذ هرب المسلمون إلى المسجد الأقصى لكي يحتموا فيه أو يدافعوا عنه.
وكانت المعركة من الضراوة بحيث ان الفرسان المتحاربين كانوا يمشون على الجثث في بحر من الدماء تصل في ارتفاعها إلى الركاب! هذا فيما يخص الحروب الصليبية الأولى. ولكن ماذا عن الثانية والثالثة؟ من المعلوم أن الصليبيين هزموا في نهاية المطاف وأن صلاح الدين الأيوبي استطاع أن ينتصر عليهم ويأخذ القدس منهم، وكان ذاك في معركة حطين الشهيرة. وهكذا انتهت المعركة برحيل الصليبيين عن المنطقة وعودتها إلى السيطرة العربية الإسلامية.
ولكن هل يمكن القول بأن الحرب الجارية حاليا بين الغرب والحركات المتطرفة هي حروب صليبية جديدة؟ يصعب الرد على هذا السؤال بالإيجاب لأن الحركات المذكورة تحارب ليس فقط الغرب وإنما الأنظمة القائمة والتيارات التحديثية داخل العالم العربي والإسلامي نفسه. وبالتالي فلا ينبغي التعميم أو إسقاط الماضي على الحاضر.
* الكتاب: الحرب باسم الدين
تاريخ جديد للحروب الصليبية
*الناشر: بيلكناب بريس لندن 2006
*الصفحات: 1024 صفحة من القطع الكبير
God's war
a new history of the crusades
Christopher Tyerman
Belknap Press- London 2006
p.1024
