يعمل جان بيير مولني، مؤلف هذا الكتاب، مديراً مساعداً لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس. وهو خبير بشؤون التسلح والسياسات الدفاعية. وكان قد عمل كمكلّف بمهمة لدى لجنة الدفاع الوطني والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) ويتعاون في إعداد الكتاب السنوي الذي يحمل عنوان: «السنة الاستراتيجية».

كتب مقدمة هذا الكتاب عن «حرب الشبكات» في القرن الحادي والعشرين الجنرال جان بول بيروش، المدير العام لقيادة أركان الاتحاد الأوروبي. وكان مكلّفا بمهمة لدى قائد أركان القوات البرية للقوات الدولية ـ كفور- في كوسوفو.

المحور الرئيسي لهذا الكتاب يتركز حول فكرة أن «حرب الشبكات» لم تعد «مجرد خيال علمي» وإنما أصبحت واقعا حقيقيا. هذا ما يدلل عليه بوضوح ما شهدته الحرب الأميركية-البريطانية ضد العراق في ربيع عام 2003 حيث جرى تطبيق مفهوم «حرب الشبكة-المركزية»، أي قدرة الربط بين مختلف الجيوش البرية والبحرية والجوية، وأيضا جيوش الحلفاء وجمع المعلومات بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها وتوزيعها مباشرة دون أية مهلة زمنية على الوحدات بهدف أن تستطيع القيام بسرعة أكبر وبدقة أكبر.

وما يتم تأكيده منذ البداية، هو أن «الثورة» التي حققتها الولايات المتحدة الأميركية في «المجال العسكري» قد أعطتها في الواقع «امتيازا حاسما» في الحرب. ثم إن مثل هذا «الاختلال» في موازين القوى العالمية لاسيما الحليفة منها في أوروبا. فمثلا كيف يمكن لبلدان مثل فرنسا أو إنجلترا أن تعيد النظر في بُنى جيشها من أجل مواجهة التحدي الأميركي المطروح؟

ثم هل يمتلك الاتحاد الأوروبي بمجمله إمكانيات إيجاد مفهوم دفاعي أوروبي مشترك يعتمد على التكنولوجيات المتقدمة؟ وهل سينبغي «نسخ» النموذج - الموديل- الأميركي؟ وهل يمكن التقدم الجديد الفعالية الكافية من أجل مكافحة الإرهاب أو حرب العصابات في المدن؟ وما هي الاستخدامات الأخرى الممكنة لـ «حرب الشبكة المركزية» في مجالات غير حربية، مثل الكوارث الطبيعية؟ هذا الكتاب هو في واقع الأمر محاولة للإجابة عن مثل هذه التساؤلات.

وتتمثل إحدى الأفكار المركزية في هذا الكتاب بالتأكيد على عمق التغيرات التي تشهدها الحضارة الإنسانية، خاصة في مجالي الدفاع والتسليح عبر استخدام منجزات ثورة المعلوماتية والاتصالات. وقد غدا واضحا للجميع أن شبكة الانترنت قد دخلت إلى مختلف جوانب حياة البشر بحيث أنها شكّلت معطى جديدا في الحياة الحديثة.

وإذا كان قد أصبح من «المسلّمات» القول بالتأثير المباشرة لمثل هذه الثورة على صعيد الاقتصاد العالمي بحيث انه «لم يعد هناك أي شيء كما كان من قبل»، فإنه من الثابت أيضا أن ثورة المعلوماتية والاتصالات وثمراتها، لاسيما شبكات الانترنت، قد أحدثت أيضا «ثورة» في فن الحرب، ذلك أن مفاهيم جديدة قد دخلت في «الحسابات» الاستراتيجية والتكتيكية للخطط الحربية.

ويشير المؤلف إلى أن الاستراتيجيين الأميركيين التابعين لوزارة الدفاع قد شرعوا منذ نهاية سنوات التسعينات المنصرمة بالبحث في المفهوم المتعلق بـ «حرب الشبكات» أو «حرب الشبكة-المركزية». وهكذا أصبحت الحرب الأميركية في أفغانستان بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، والحرب الأميركية- البريطانية على العراق في ربيع عام 2003 بمثابة الحربين الأوليين في «عصر حرب الشبكات».

ويتم في هذا الإطار تحديد الهدف الرئيسي الذي يسعى العسكريون إلى تحقيقه على أساس مفهوم «حرب الشبكات» الجديد بالوصول إلى السيطرة الكاملة على المعلومات وسرعة نقلها إلى المعنيين بها من أجل تنفيذ الخطط الملقاة على عاتقهم. لكن هذا يتطلب تحقيق أمرين أساسيين يحددهما المؤلف بالقول:

«إن العسكريين يأملون الوصول إلى تحقيق أمرين من حرب الشبكات - أي الحرب بواسطة اللجوء إلى استخدام الشبكات - هما أولا إمكانية القيام بمناورات مشتركة ومنسّقة بين مختلف الأسلحة البرية والبحرية والجوية مع امتلاك رؤية كاملة لساحة المعركة وثانيا تسريع إيقاع العمليات العسكرية من أجل إحراز التفوق الكبير على الخصم». ولا شك أن شبكة «الانترنت» تمثل حجر الزاوية في المفهوم العسكري الجديد بسبب قدرتها على معالجة كمية كبيرة من المعلومات بشكل متزامن دون أية مهلة، أي في «الزمن الحقيقي» حسب التعبير المستخدم.

وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «إن شبكة الانترنت، بالتوازي مع تطور وسائل جمع المعلومات، تسمح بوضع حد نهائي افتراضيا للعوائق التي واجهها الإستراتيجيون العسكريون الكبار باستمرار، أي معرفة أماكن تواجد العدو ومعرفة آليات توزع قواته وتشكيلاتها وبنفس الوقت معرفة المعطيات الخاصة بقواتهم والقوات الصديقة». هكذا غدت مختلف وسائل جمع المعلومات، خاصة بواسطة الأقمار الصناعية ومختلف أدوات المراقبة الأخرى، والحواسيب المحمولة «أوراقا» تعطي لمن يمتلكها تفوقا تكنولوجيا هائلا، ذلك أن «حرب الشبكات» لا تمثل «طريقة جديدة» في تصور العمليات العسكرية.

وبالتوازي مع التفوق الذي حققه الأميركيون في ميدان المعلوماتية والاتصالات وحيازتهم نسبة كبيرة من أسواق هذا الميدان في العالم، فإنهم يمتلكون أيضا تفوقا كبيرا على الصعيد العسكري بحيث ان ميزان القوى أصبح يميل كثيرا لصالح الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا بفضل «حرب الشبكات».

هذا يعني أن أوروبا «العجوز» قد أصبحت أكثر «عجزا» بالقياس إلى الشباب الأميركي، أو إلى «الأسطورة» الأميركية، حسب تعبير البعض. يقول المؤلف: إن حرب الشبكة-المركزية مصممة بحيث تسمح بخلق أسطورة للتعبئة بالنسبة لعالم الدفاع، وينبغي لها أن تسمح لجميع المعنيين بعالم الدفاع التوجه نحو نفس الهدف المتمثل في إقامة الشبكة المعنية بين مختلف الجيوش. ثم إن مثل هذه الأسطورة يكون منها أن تؤدي مباشرة إلى تبرير زيادة نفقات الدفاع في الولايات المتحدة الأميركية.

وماذا عن أوروبا؟

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن بلدين أوروبيين وحيدين قد اتجها صوب مفهوم «حرب الشبكات»، وهما بريطانيا وفرنسا... وقد كان هذان البلدان أيضا «السبّاقين» في إعطاء المسائل العسكرية أولوية في اهتماماتهما. لكن هذا لا يمنع واقع أنهما قد قدّما ترجمتين مختلفتين لمبدأ «حرب الشبكات» القادم من الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي.

وكان البريطانيون هم أول من تبنّوا مفهوم «حرب الشبكات» في أوروبا عام 2002. لكنهم وجدوا في هذا المفهوم الجديد وسيلة لزيادة فعالية جيوشهم، وذلك على عكس الأميركيين الذين جعلوا من المفهوم فلسفة حربية ترمي إلى تأكيد تفوقهم العسكري. أما الفرنسيون فقد انكبّوا فعليا على دراسة مفهوم «حرب الشبكات» اعتبارا من عام 2003 ليظهر في قاموس قيادات الأركان الفرنسية تعبير: «عمليات الشبكات-المركزية».

* الكتاب: حرب الشبكات في القرن الحادي عشر

الانترنت في ساحة المعركة

*الناشر: لوفيلان - باريس 2006

*الصفحات: 119 صفحة من القطع المتوسط

La guerre en réseau au XXIe siècle

internet sur les champs de bataille

Jean-Pierre Maulny

Le Felin- Paris 2006

P.119