مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي المعروف جان فرانسوا خان رئيس تحرير مجلة «ماريان» الأسبوعية وأحد الأقلام الصحفية النافذة في فرنسا. وهو ليس صحفيا فقط وإنما كاتب وأديب ومفكر. وقد نشر حتى الآن العديد من الكتب، نذكر من بينها: تاريخ التقدم الاجتماعي (1974)، ستالين، والشيوعية، وروسيا (1974)، مؤامرة ضد الديمقراطية (1982)، التحول الاستثنائي الذي طرأ على فيكتور هيغو خلال خمس سنوات فقط 1847-1851 (1984)، المتمردون، أو الذين قالوا لا من نساء أو رجال (2001)، فيكتور هيغو ثائرا (2001)، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف قاموسا نقديا لاذعا عن مختلف المواضيع والشخصيات التي يهمه أمرها. فهو يعطي رأيه بشكل مقتضب أحيانا ومطول أحيانا أخرى بالعديد من الشخصيات القديمة والحديثة: كديكارت، أو هيغل، أو كانط، أو نيتشه، أو فلاسفة التنوير، أو هتلر، أو ستالين، أو ميتران، أو شيراك، أو تروتسكي، أو نابليون، أو ساركوزي، أو عشرات غيرهم. يقول مثلا عن نيكولا ساركوزي الذي قد يصبح مرشح اليمين للانتخابات الرئاسية والذي هو واقع الآن في صدام مباشر مع شيراك وجماعته.

إنه أفضل شخصية في جهة اليمين الآن، ولا يستطيع أحد أن يعادله من حيث القدرة الخطابية والبراعة في المناقشة السياسية والانتصار على الخصم بالنقاط أو بالضربة القاضية. فهو مجادل سياسي من الطراز الأول، ولذلك يهابه الكثيرون ويتخوفون من مواجهته على شاشة التلفزيون أمام ملايين المشاهدين.

ولكن مشكلة ساركوزي هي أنه مغرور بنفسه إلى أقصى الحدود. فهو يعتقد أنه قادر على كل شيء إذا ما أراد وأن الآخرين أقزام بالقياس إليه وأنه رجل السياسة الوحيد الكفؤ في الساحة الفرنسية. وهذا خطأ كبير، فالاغترار بالنفس شيء غير محمود وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

يضاف إلى ذلك أنه مبهور بالنموذج الرأسمالي الأنغلوساكسوني على طريقة طوني بلير أو حتى جورج بوش. بل وقدم الولاء لهذا الأخير بكل مذلة ومهانة. إنه يميني حقيقي ولا يخفي ذلك. وبالتالي فهو عدو لدود لليسار والفقراء والطبقات الشعبية وبخاصة العمال المهاجرين الذين نعتهم مرة بالزعران أو الأوباش!

ولذلك فإن الناس ابتدأوا يخافون منه ومن توجهاته الرأسمالية المحضة. ولهذا السبب فسوف يكون العدو اللدود لليسار الفرنسي. وأخيرا يمكن القول بأن هدف ساركوزي الوحيد هو: السلطة، أي الوصول إلى قصر الاليزيه. فهو معجب بنفسه كما قلنا إلى أقصى الحدود. وسوف يضع كل موهبته السياسية والخطابية في خدمة هذا الهدف الكبير. ولكن خصومه في جهة اليمين قبل اليسار سوف يضعون في وجهه العراقيل، وبالتالي فالأسابيع المقبلة سوف تكون مليئة بالمفاجآت لأن شيراك لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وحقده على ساركوزي كبير.

ثم ينتقل جان فرانسوا خان إلى جاك شيراك لكي يقول عنه هذا الكلام الساخر: الكثيرون يحبونه، ولكن لا أحد معجب به: ديمقراطي حقيقي! لا أحد يعرف أين هو، ولا حتى من هو! لا يؤمن بأي شيء ما عدا الشيء الأساسي، وهذا مطمئن. مات أكثر من مرة سياسيا ثم بعث من جديد بقدرة قادر... إنه من الفاتحين السياسيين بدون شك. فقد جاء من الأرياف الفرنسية لكي يفتح باريس ويستولي عليها، وقد فتحها.

وأما عن المازوشية فيقول المؤلف بأنها مرض فرنسي بامتياز. فالفرنسيون متخصصون في جلد الذات وتأنيبها بكل عنف وقسوة. وهذا ما لاحظه المؤرخ البريطاني الذي أمضى حياته في دراسة الشعب الفرنسي: تيودور زيلدان. فقد أثبت بأن الفرنسي يجد متعة كبيرة في تحقير نفسه والبصق على ذاته.

وهذه عادة غير معروفة في إنجلترا، فالإنجليز ليسوا مازوشيين. إذا كنت مؤلفا ولا تجد ناشرا فيكفي أن تؤلف كتابا يحتقر فرنسا أو يتحدث عن الانحطاط الفرنسي أو الأزمة الفرنسية العميقة لكي تجد عشرات الناشرين يتنافسون عليك. أليس هذا أكبر دليل على مازوشية الفرنسيين؟ ولماذا كل هذه الرغبة في جلد الذات؟ أليس فرنسا هي إحدى الدول المتقدمة في العالم؟

أما عن الحداثة فيقول جان فرانسوا خان ما يلي: في الثلاثينات من القرن الماضي كانت الحداثة فاشية. معظم الناس كانوا مبهورين بالإيديولوجية الفاشية وخاصة هتلر وموسوليني. وفي الخمسينات من القرن الماضي أصبحت الحداثة ستالينية، وذلك لأن معظم مثقفي فرنسا وأوروبا كانوا شيوعيين أو ميالين للشيوعية. وكان سارتر يقول: كل عدو للشيوعية فهو كلب!

والآن اضحت الحداثة هي الرأسمالية الجديدة على طريقة بوش وأشكاله بعد ريغان وتاتشر. وفي كل الحالات كان الجمهوريون الديمقراطيون يعتبرون بمثابة عملة قديمة! بمعنى أن الديمقراطي الحقيقي منبوذ في كل العصور.

وأما عن الغزو العربي فيقول المؤلف ما معناه: كيف استطاع ثلاثة آلاف محارب بدوي خارجين من أعماق الصحراء والجزيرة العربية أن يفتحوا كل هذه المناطق الشاسعة الواسعة ويصلوا إلى بواتييه جنوب فرنسا؟! من يستطيع أن يفسر هذا السر أو اللغز التاريخي الكبير؟ الجواب بسيط: لم يحصل أي غزو عربي أيها السادة! كل ما حصل هو اعتناق كثيف وجماعي للإسلام من قبل الشعوب المفتوحة مشرقا ومغربا وحتى الأندلس.

هذه هي الحقيقة. وبالتالي فالغزو العربي هو عبارة عن أسطورة، ليس إلا. والشعوب المذكورة كلها كانت تكره العقائد المفروضة عليها قسرا ولذلك رحبت بالإسلام والدين الجديد.

وأما عن نيتشه فيقول المؤلف ما معناه: كان فيلسوفا ألمانيا مضاه لكانط العقلاني المتزن. وكتاباته لم تكن متماسكة دائما. وقد شوهتها أخته إليزابيت لكي يستطيع النازيون استخدامها في دعايتهم الإيديولوجية. وكان نيتشه مريضا من الناحية النفسية وهذا ما أدى به إلى الجنون الكامل في السنوات العشر الأخيرة من حياته.

ولكنه في ذات الوقت كان أكبر كاتب في اللغة الألمانية وفي بعض الأحيان أعمق مفكر. ولكن مشكلته هو أنه كان ضد المثالية وضد العقلانية: أي ضد كانط وهيغل. باختصار فإن الرجل خطر على نفسه وعلى الآخرين، ولا أنصح الشباب الأغرار بقراءته لأنه قد يضلهم سواء السبيل. وحدهم العلماء الكبار يمكن أن يقرأوه دون أن نخاف عليهم من الضياع والانحراف عن الخط المستقيم.

* الكتاب: قاموس خارج على القانون

*الناشر: بلون ـ باريس 2005

*الصفحات: 686 صفحة من القطع الكبير

Dictionnaire incorrect

Jean-François Khan

Plon- Paris 2006

p.686