قامت بتأليف هذا الكتاب الباحثة والناقدة الأنغلوساكسونية بربارة رينولدز، وهي مختصة بالآداب الإيطالية عموما وبفكر دانتي خصوصا. وتقدم المؤلفة هنا دراسة عميقة ومطولة عن حياة وأعمال أكبر أديب وشاعر ظهر في تاريخ إيطاليا: إنه دانتي اليغيري.
ومعلوم أن الإيطاليين يفتخرون به مثلما يفتخر الإنكليز بشكسبير، والروس ببوشكين، والألمان بغوته، والفرنسيون بفولتير أو موليير، والأسبان بسرفانتس، الخ. ومنذ البداية تقول المؤلفة بما معناه: لقد كان دانتي أحد كبار الشعراء الذين عرفتهم البشرية وليس فقط إيطاليا. وكان في ذات الوقت رجلا سياسيا من الطراز الأول بل ومنظرا للعمل السياسي.
وقد ولد دانتي عام 1265 في مدينة فلورنسا بإيطاليا، أي قبل سبعة قرون ونصف تقريبا. وكانت مدينته آنذاك في طورها لأن تصبح أكبر وأغنى مدينة في وسط إيطاليا. بل ويمكن القول بأنها أصبحت إحدى أهم عواصم الغرب المسيحي اللاتيني كله.
وكان الصراع على أشده آنذاك بين النبلاء الأرستقراطيين من جهة، والبورجوازية والحرفيين الصغار من جهة أخرى. وكان الأولون مرتبطين بالبابا ويدافعون عن حقه في ممارسة السلطة الزمنية أو السياسية. هذا في حين أن الثانين كانوا أقرب إلى الإمبراطور ويعتقدون بأن على البابا أن يحصر نفسه بالسلطة الروحية أو الدينية فقط ويترك السياسة للإمبراطور والسياسيين.
في مثل هذا الجو من الصراع الحامي بين الطرفين ولد دانتي اليغيري وعاش. وكان ينتمي إلى عائلة نبلاء أرستقراطية في الأساس، ولكن فقيرة أو قل افتقرت بعد غنى.
وقد فقد أمه وهو في الثالثة عشرة من عمره، وفقد والده بعد خمس سنوات، وهكذا أصبح يتيم الأب والأم. ولا نعرف شيئا عن مشاعره وحياته الشخصية إلا من خلال ما رشح في كتابه الأول: الحياة الجديدة. ومعلوم أنه ألفه بين عامي 1291-1293، أي عندما كان عمره أقل من ثلاثين سنة. وفيه يتحدث عن حبه لفتاة تدعى بياتريس، ومعلوم أنه ظل يحبها حتى نهاية حياته، وقد اشتهرت قصة غرامه هذه إلى درجة أنه يمكن أن نقارن بينها وبين قيس وليلى أو روميو وجولييت. وبالتالي فهي إحدى قصص الحب الخالدة.
ثم تردف المؤلفة قائلة: والغريب في الأمر هو أنه أحبها وعمره تسع سنوات فقط، أما هي فكان عمرها ثماني سنوات، وكان حبا عذريا صوفيا بالخالص، ولكنه كان أقوى حب وأكثر حب خلودا.
ثم ماتت حبيبته بياتريس وهي في عز الشباب: أربع وعشرين سنة فقط. وترك هذا الحدث لديه لواعج دفينة ما انفك يعبر عنها في أشعاره وكتاباته. لقد أشعل موهبته بعد أن حرق قلبه بنار الحزن. ومعلوم أن الحزن يزيد من نار الحب ويشعل العبقريات النائمة. ثم انضاف إلى هذا الحدث المفجع حادث آخر لا يقل خطورة وإيلاما ألا وهو نفي دانتي من مدينته ومنعه من العيش على أراضيها.
فقد أصدرت السلطة قرار بهذا الخصوص وأفهمته بأنها إذا ما وجدته على أراضي فلورنسا فإن عقوبته ستكون المحرقة. ومعلوم أن القتل حرقا كان من اختصاص محاكم التفتيش السيئة الذكر. وهكذا فقد دانتي حبيبته بياتريس ومدينته فلورنسا الواحدة بعد الأخرى. وكانت تلك هي أكبر صدمة في حياته، وهي التي فجرت عبقريته لاحقا عندما كتب رائعته الخالدة: الكوميديا الإلهية.
لكن لنعد إلى الوراء قليلا في نهاية كتابه الأول «الحياة الجديدة» يقول دانتي: لقد ظهرت لي رؤيا رائعة، رؤيا ألهمتني كل ما سأكتبه في مقبل الأيام. لقد ظهرت لي بياتريس وكأنها حية تنطق. وهذه الرؤيا هي التي دفعته لكتابة الكوميديا الإلهية وبخاصة القسم المخصص لأهل الجنة حيث وضع بياتريس في أعلى مرتبة. لقد كتب «الجنة» خصيصا من أجلها لكي يتحدث عنها، لكي يعبر لها عن لواعج قلبه.
ثم كتب قسم الجحيم لكي يصفّي حساباته مع خصومه السياسيين الذين نفوه وحرموه من العيش في مدينته الأولى ومسقط رأسه: فلورنسا. لقد وضعهم جميعا في الطبقات السفلى للجحيم لكي ينتقم منهم ومن أعمالهم السيئة تجاهه وتجاه الآخرين. ثم كتب قسم المطهر، أي لا الجنة ولا النار، لكي يضع فئة ثالثة فيه، فئة لا هي خيرة كليا ولا شريرة كليا.
ومعلوم أن الديانة المسيحية تقسم الآخرة إلى ثلاثة أقسام وتوزع الناس عليها. فالأخيار الناجون الذين تغلبت حسناتهم على سيئاتهم يذهبون إلى الجنة بعد الموت، والأشرار يذهبون إلى جهنم وبئس المصير. والذين هم لا أخيار ولا أشرار يذهبون إلى مكان ثالث يتوسط بين الجنة والنار هو: المطهر. وهناك يقضون سنوات طويلة أو قصيرة قبل أن يحسم أمرهم في هذه الجهة أو تلك. هذا هو المخطط العام لكوميديا الالهية لدانتي.
ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن قلب المشروع يبقى القسم المخصص للجنة والذي كتبه دانتي لتمجيد حبيبته بياتريس التي حرم منها في الحياة الدنيا ولم يلقها إلا في الآخرة بعد الموت. فعندما وصل دانتي إلى الجنة كانت بياتريس هناك تنتظره. وقد استقبلته بكل ترحاب وأصبحت دليله الذي يعرفه على كل مناطق الجنة! راحت تمسك بيده وتتنقل معه بين السماوات السبع. وشعر وكأنه على بساط الريح، وهنا يحلّق دانتي عاليا ويبلغ باللغة الشعرية الإيطالية ذروتها القصوى: أي الذروة التي لا ذروة بعدها.
هنا يجنّح به الخيال ويرتفع إلى أعلى السماوات الإلهية. حقا لقد أسس دانتي لغة الشعر الإيطالية عندما كتب رائعته الخالدة التي لا مثيل لها في الآداب العالمية اللهم إلا رسالة الغفران التي سبقتها ويقال بأنه تأثر بها.
فكما أن المعري شطح بالخيال الأدبي العربي ووصل به إلى السماوات العلى فإن دانتي شطح بالخيال الأوروبي ووصل به إلى أقصى ما يمكن للغة البشرية أن تصل إليه. وهنا تكمن عظمته التي لا تضاهى، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المعري.
مهما يكن من أمر فإن دانتي الذي فشل في الحب والحياة والسياسة عوض عن ذلك في الأدب. وهنا حقق نجاحا منقطع النظير، فحبيبته بياتريس ماتت شابة دون أن يتاح له أن يتزوجها وينعم بالعيش معها. ولكنه عوض عن ذلك بلقائها في الجنة كما قلنا. وأما في السياسة فقد كان خطه عاثرا أيضا. فالواقع أن أعداءه انتصروا عليه واستطاعوا طرده من مدينة فلورنسا: جنته الأرضية، وكل محاولاته فيما بعد للعودة إليها باءت بالفشل. وهكذا عاش منفيا مشردا على الطرقات والدروب.
* الكتاب: دانتي: الشاعر، والمفكر السياسي، والإنسان
*الناشر: شوميكر وهوارد- لندن، نيويورك 2006
*الصفحات: 466 صفحة من القطع الكبير
Dante : the poet, the political thinker, the man
Barbara Reynolds
Shoemaker and Hoard- London , New York 2006
p.466

