ويل هو فتى يحتم عليه قدره أن يدير موقعاً نائياً للاتجار مع الهنود الحمر، وهو يضطلع بهذا الواجب، الذي يفرض عليه عزلة مطبقة، وهو يجد في الزعيم الهندي «بير» وقبيلته من يتبنونه حيث تتطور العلاقات التي ستكفل في نهاية المطاف صياغة شخصيته. وفي غضون ذلك يقع في غرام كلير، الفتاة الغامضة والفاتنة والمتقلبة التي ستمتلك فؤاده طوال عمره.

يروي ويل كوبر، بصوت مميز مليء بروح الفكاهة والحنين، وقائع حياة بكاملها من البحث عن موطن والتوق إلى الثروة والمغامرة وإعادة بناء صرح ثقافة قدر عليها التداعي وفي المقام الأول احتمال متابعة حياة عاطفية مترعة بالتقلبات والانعطافات.

والأمر كما يصل إلى إدراكه في نهاية المطاف والتعبير عنه بقوله: «عندما يضيع كل شيء آخر ويتبدد إلى الأبد، فهناك الحنين. ومن الدروس القليلة التي يعلمنا إياها طول العمر والتي تلقى الترحيب أن الرغبة وحدها هي التي تنتصر على الزمن».

بهذا المعنى فإن ويل كوبر يصبح بين يدي تشارلز فريزر المبدعتين روحاً أميركية كلاسيكية، فهو رجل مكرس لمكان ولأهل هذا المكان ، ولامرأة ولطريقة حياة، وهي أمور تطل إلى الأبد جميعها بعيدة عن مطال يده. تمضي بنا رواية «ثلاثة عشر قمراً» من برية لم ترسم لها خريطة في قارة لم تمتد إليها يد الفساد بعد عبر الجنوب صعداً ونزولاً في نهر الميسيسبي إلى التألق الحضري لمدينة واشنطن.

في غمار هذا كله يتم اكتساح ويل كوبر فيما الجمال الوحشي للقرن التاسع عشر يُنحى جانبا أمام الهواتف والسيارات وطرق السكك الحديدية المتربصة بالمسافات التي يحملها القرن العشرون معه. هذه الرواية التي تضرب جذورها في التاريخ وتتميز بالثراء في بصيرتها والمليئة باللحظات الجميلة المفاجئة هي عمل روائي يتحدى النسيان، يقدمه مبدع أميركي سيفرض اسمه طويلاً على ذاكرة عالم الأدب الراقي.

والواقع أن هناك العديد من الروابط والوشائح التي تربط بين رواية فريزر الجديدة هذه وبين رائعته التي تعود إلى عام 1997 والتي حصدت العديد من الجوائز الأدبية والتي تحمل عنوان «الجيل البارد». فهناك في الروايتين إحالة تحمل إصراراً لا يغيب عن عيني القارئ إلى الطبيعة، وعلى وجه التحديد إلى ما هو متعلق بالأراضي الجبلية الوعرة لجنوبي جبال الابالاتشي.

هناك أيضا صوت رثائي يحمل حداداً على البرية الأميركية، وأميركا ضاعت منذ ذلك الحين في غمار الزمن والتغير، وحبكة مثقلة بالأسطورة تجمع قصة حب مع رحلة تشرد تشمل لقاءات مع جميع أنواع الشخصيات، ابتداء بالحكماء وليس انتهاء بالنصابين والخارجين على القانون والأبرياء تحت آفاق أميركا في القرن التاسع عشر. وباستثناء هذه العلاقات والوشائج فإنه ما من روايتين يمكن أن تكونا بعيدتين إحداهما عن الأخرى قدر بعد «الجبل البارد» عن «ثلاثة عشر قمراً».

دعنا نلاحظ أنه بينما نجد السرد في «الجبل البارد» يتسم بالثراء والزخم الكبير فإن «ثلاثة عشر قمراً» هو نص أكثر خفة، وأقرب إلى إبداع لاري ماكمورتي منه إلى عالم كورماك مكارثي الروائي. ويلفت نظرنا أنه بينما توحي قصة الحب في «الجبل البارد» بأنها قصة رومانسية بين اثنين من البشر الحقيقيين تتبدى لنا في تفاصيل نفسية حميمة، فإن نظيرتها في «ثلاثة عشر قمراً» تبدو أقرب إلى هيكل قصة حب نحته مؤلف في حرص بين البطل والفاتنة الغامضة كلير التي تظهر في حياته وتختفي منها بحسب مقتضيات الحبكة وحدها.

هكذا فإن لقاءت ويل كوبر مع كلير لا يمكن إلا أن تكون مخيبة للآمال بالنسبة للكثير من القراء، والواقع أن «ثلاثة عشر قمراً» لا تبلغ ذروتها الإبداعية في سرد وقائع حياة ويل العاطفية، وإنما هي تبلغها في استخدام قصته لفتح نافذة أمامنا نطل منها على بلاد في غمار التغير تنتقل من كلاسيكية القرن التاسع عشر إلى تناقضات القرن العشرين الهادرة.

بهذا المعنى فإن مرور الزمن، سواء في حياة أميركا أو حياة أمة التشيروكي أو حياة ويل كوبر نفسه، يبدو أنه الموضوع الحقيقي لهذه الرواية التي تظل، على الرغم من عيوبها، جديرة بالقراءة.

رحلة في الاصل

«طويت الخارطة مجدداً إلى حجم الجيب المثلث الذي كانت عليه، وحاولت تذكر كل الانعطافات التي تحدث عمي عنها، ثم بصقت جانباً بقوة، ونخست جوادي، وانعطفت إلى اليسار من شجرة الحور نحو ما بدا أنه الطريق الواعد أكثر من بين الطريقين الممتدين أمامي».

واصلت السير إلى الجبل، فيما أقبل الظلام جاثماً عليّ. وكنت في الليالي الأولى من الرحلة قد نمت في أكواخ أناس يعرفهم السيد العجوز، وكان قد زودني برسائل لهم، يطلب منهم فيها إطعامي والسماح لي بالرقاد في أي مكان إضافي متوافر لديهم، وهو ما كان معناه الحظيرة في معظم الحالات وغرفة مجردة من الأثاث في حالات أخرى. وستكون هذه هي أول ليلة أقضيها وحيداً على الطريق. وكنت خائفاً من الظلام وحاولت ألا أفكر في إقباله بمثل هذه السرعة الكبيرة.

توقفت في منتصف الأصيل لأتيح الكثير من الوقت لإعداد مكان للمبيت فيه. وكان المطر قد توقف ولكن الأشجار والشجيرات كانت لا تزال مبتلة عندما وجدت قطعة من الأرض المسطحة خلفيتها صخرة كبيرة، وكان التراب فيها تحت الصخرة جافاً وناعماً كالدقيق المنخول.

(مقتطف من رواية «ثلاثة عشر قمراً»)

*الكتاب: ثلاثة عشر قمراً

*الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك 2006

*الصفحات: 432 صفحة من القطع المتوسط

Thirteen Moons

Charles Frazier

Random House _ N.Y 2006

p.423