يهدف كتاب الباحث السوري يحيى زيدو الأول إلى فهم المنظومة التي سادت في عصر النهضة العربية، وبخاصة لدى الجيل الثاني من المفكرين ممثلا بالمفكر عبد الحميد الزهراوي لافتا إلى أن معظم الدراسات التي تناولت الزهراوي أغفلت الجانب النظري لديه، وكأنها أفكار تظهر على هامش فعاليته السياسية.

بعد تقديم ملخص لمراحل حكم السلطنة العثمانية طوال خمسة قرون، يؤكد الباحث على ربط النهضة العربية بتجارب الإصلاح في السلطنة العثمانية، و التي عرفت عثمانيا باسم «تنظيمات» . ويقلل الكاتب من تأثير حملة نابليون الذي يصفه البعض بالحاسم في إحداث النهضة العربية فالحملة الفرنسية على مصر لم تبق سوى ثلاث سنوات وهي فترة غير كافية لتطوير قوى انتاج جديدة دون نفي الدور العامل الخارجي.

وقد دخلت الدول العربية عصر النهضة بأشكال متعددة، بعضها عن طريق الإرساليات التبشيرية (لبنان) وبعضها باتباع مثالات أوروبية أو عثمانية (مصر والجزائر) .وفي محاولة المفكر العربي النهضوي الإجابة عن سؤال التقدم الاجتماعي التاريخي برز تياران هما الإصلاح الديني وقد صدر عن تأمل الذات في مرآة الشريعة والتيار العلماني الصادر عن تجربة الاصطدام بالآخر.والإصلاح الديني اسبق تاريخيا من العلماني و كان في أساسه سياسي الطابع وغرضه مجابهة الغرب،

ولذلك لا يمكن النظر إليه ثمرة لتطور الدين. وكان الحامل الاجتماعي للإصلاح الديني هو الأمة كلها «دون تشخيص فئوي أو طبقي أو مجتمعي» ومرجعيته تكمن في «المقدس اللا تاريخي»، في الإسلام دون سواه من الأديان والإيديولوجيات. ويبدو سؤال تقدم الغرب بالنسبة إلى هذا التيار سؤالا ثأريا، يجد جوابه في هجر القرآن والعودة إليه، وقد دعا في البداية إلى إصلاح الإسلام نفسه.

وفي الجيل التالي من المصلحين الدينين أمثال شكيب ارسلان، والزهرواي واحمد حقي أعظمي دعا إلى إصلاح المسلمين باعتبارهم من يقيم المعارضة بين الإسلام والعلم، أو الإسلام والمدنية، نتيجة عدم قدرتهم على فهم مقاصد الشريعة. وتكمن مشكلة هذا التيار في عدم قدرة هذا الفكر على التمييز بين المقدس الثابت والمدنية الإسلامية وحدث لاحقا تحول هام في توجهه تمثل في التركيز على الفرد بدلا من التركيز على الجماعة، وعلى القومية بدلا من الأمة كلها جراء تأثره بالغرب.

إن التيار العلماني تأسس على المقولات التنويرية لتيار الإصلاح الديني دون اقصاء للتراث لكن بمعانيه لا بنصه، فدعا فرح انطون إلى الحياد أو العلمانية، وشدد اديب إسحاق على قيم الحرية والإخاء والمساواة وهي مبادئ الثورة الفرنسية، وركز قاسم أمين على قضية المرأة التي لا يتحسن وضعها إلا بالتربية الصحيحة للمجتمع،

وأكد نصر الله دلال على مفهوم التمدن الفرنسي، وحض رزق الله حسون إلى ضرورة الاستقلال العربي عن الجامعة الإسلامية، وشدد شبلي شميل على العلم ودافع عن الاشتراكية بالمفهوم الليبرالي. ويمكن إجمال تداعيات النهضة في إن القوميات الغربية نشأت في مرحلة تحول البرجوازية إلى رأسمالية أما القومية العربية فنشأت في سياق الصراع ضد السوق الرأسمالية، وكأنها موضوع للذات الأوربية؟

يعود الكاتب إلى عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهرواي الذي ولد عام 1871 بوصفه نموذجا للنهضوي العلماني الذي نهض في فكره السياسي على الديني. كان والده من طبقة الأشراف المنتسبين لآل البيت، درس العربية والفقه على الشيخ حسن خوجة وسافر إلى الآستانة 1890 بحجة السياحة والتقى بنخبة العلماء في «جمعية الشورى العثمانية» وأصبح عضوا فيها وعاد إلى حمص 1891 فأصدر صحيفة «المنير» التي مثلت وجهة نظر جماعة الاتحاد والترقي المنتقدة لحكومة عبد الحميد الاستبدادية.

وفي الرحلة الثانية إلى الآستانة فرضت عليه الإقامة الجبرية في دمشق وراسل رشيد رضا الذي نشر له في «المنار» مقالات إصلاحية ثم نفي إلى الآستانة ستة أشهر، وكتب رسائل في «المسائل الشرعية والخلافة» و«علم الوضع» و«الفقه والتصوف» و«نظام الحب والبغض» .وفي عام 1902 فرّ إلى مصر التي كان محمد عبده يقود الحركة الإصلاحية فيها،

فاشتغل في العمل الصحافي محررا في جريدة «المؤيد» التي كانت مفتوحة لدعاة التجديد والإصلاح، وبقي في مصر حتى إعلان المشروطية «الدستور» عام 1908 حيث بدأت مرحلة جديدة قضاها في الرحلات بين مسقط رأسه حمص وبين بيروت والقاهرة وباريس والمغرب التي ذهب إليها لإقناع مولاي عبد العزيز بإدخال الإصلاحات إلى المغرب.

فاز بمقعد في «مجلس المبعوثان» عن مدينة حماة وكان وقتها قد انتهى من كتابه «خديجة أم المؤمنين» الذي هدف فيه إلى إبراز الخصوصية القومية للعرب واثبات حضورهم وجدارتهم في حمل المسؤوليات. وقد عمل في مجلس المبعوثان على تكريس الحياة الدستورية وأصدر جريدة «الحضارة» من الآستانة بعد خبرة في عدد من الصحف العربية، ليدافع فيها عن الاتحاد والتعدد والروح العمومية والانتخابات..

ثم رأس المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 ، هادفا من وراء ذهابه إلى بحث أوضاع العرب في السلطنة العثمانية، مفوتا الفرصة على طلب الحماية الأوربية. يلوم الباحث فكر الزهراوي الذي أهمل دور الشبيبة والطلاب العرب الذين اتهمهم بقلة الخبرة ويعاتبه في تنفير الضباط العرب منه. ويجد الباحث تفسيره في غياب فكرة المستقبل عن فكر الزهراوي، لكن هذا لم يطل بعد تسارع الأحداث واكتشاف الزهراوي إن الدفاع عن الدولة العثمانية ضرب من الخيانة خاصة بعد كشف الاتحاديين الترك عن عنصريتهم ومعاداتهم للعرب.

كما يرى الكاتب إن احد أخطاء الزهراوي هي دخوله كمثقف معترك السياسة وممارسة السياسة من موقع المفكر، فلم يستطع الجمع بين البحث عن الحقيقة وبين البحث عن المصلحة التي يختلط على الرأي العام معرفتها دائما. وقد ذهب ضحية إيمانه الفكري فاستشهد مع شهداء القافلة الثانية مع 21 شهيدا من خيرة مثقفي العرب على يد الفريق احمد جمال باشا السفاح الذي كشف بعد خسارة حرب السويس ( سفربرلك) طبيعته الدموية والعنصرية.

وكانت التهمة التي وجهت للزهراوي واهية وهي وجود برقية من حزب «اللامركزية» المصري تقره على قبوله منصب عضو في الأعيان، ورسالة من إمام اليمن يطلب فيها من الزهراوي التوصية بأحد الموظفين الترك. ولو كان الزهراوي سياسيا لهرب من الحكم لكنه انتصر في شخصه للمفكر على السياسي. وكان لاستشهاده اثر كبير في نفوس العرب فأقيمت له احتفالات في كل مكان وفي البرازيل صدرت جريدة باسمه على مدى عامل كامل تصدر كتاباته.

لقد حمل خطاب الزهراوي نزوعا برجوازيا، وهي سمة الخطاب النهضوي العربي عموما، واتسم بالبعد عن المسألة الاقتصادية المتحدرة من هيمنة النظام الاقتصادي الرأسمالي وان كان ربط رومانسيا بين الاستبداد والبؤس الاجتماعي. أهم ما في خطابه هو علمانيته من موقع الإسلام نفسه، كأحد أوجه الهوية التاريخية العربية، ووعيه بالتوظيف السلبي للدين من السلطة.

أحمد عمر

* الكتاب: الديني والسياسي في الفكر العربي الحديث

*الناشر: دار التكوين ـ دمشق 2006

*الصفحات: 150 صفحة من القطع المتوسط