مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ جون لينش المختص بتاريخ أميركا اللاتينية وشخصية سيمون بوليفار على وجه الخصوص. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة ومفصلة عن حياة هذا القائد التاريخي الكبير. من المعلوم أن سيمون بوليفار ولد في مدينة كاراكاس عاصمة فنزويلا عام 1783، وكان أبوه ذا مرتبة عالية في الجيش وينتمي إلى إحدى العائلات الإسبانية العريقة، وأما والدته فكانت أيضاً من أصل إسباني وتنتمي إلى عائلة أرستقراطية لا تقل أهمية عن عائلة والده.

وبالتالي فالرجل ذو حسب ونسب عريق لا يستهان به ومعلوم أن العائلات الإسبانية كانت تتمتع بامتيازات خاصة في دول أميركا اللاتينية لأنها كانت تنتمي إلى البلد المستعمر، ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد كان حظ سيمون بوليفار كبيراً منذ البداية، فالواقع أن أحد أقربائه الموسرين منحه ثروته الطائلة منذ ولادته، وبما أن والدته لم تكن تستطيع إرضاعه بسبب أوضاعها الصحية فإنهم سلموه إلى الخادمة التي ربته واعتنت به وكأنها أمه الحقيقية. وبالفعل فقد ظل متعلقاً بها طيلة حياته كلها، ثم مات والده وعمره سبع سنوات فقط، ولحقت به أمه بعد سنتين فقط. وقد حزن كثيراً لفقدهما، وهكذا أصبح يتيم الأب والأم على حد سواء ومنذ نعومة أظفاره. وعندئذ انتقل الصغير سيمون إلى عهدة جده لكي يربيه ويحميه ويشرف عليه.

ثم دخل سيمون بوليفار بعدئذ المدرسة العامة في كراكاس. وكان مدير المدرسة شخصاً تقدمياً ذا أفكار اجتماعية وتربوية مستنيرة يدعى سيمون رودريغيز. وسوف يكون له تأثير كبير على شخصية القائد المقبل لأميركا اللاتينية. فقد حل محل والده ورباه أفضل تربية وزرع في نفسه الأفكار الجديدة التي ستتفتح لاحقاً وتعطي ثمارها.

ومعلوم أن أستاذه كان شخصاً معجباً بفلاسفة التنوير الأوروبيين وبخاصة جان جاك روسو. وبالتالي فقد رباه على حب الحقيقة، والفضيلة، والفقراء، وكره الاستبداد والاستعباد من أي جهة جاء. وهي الأفكار التي جاء بها روسو وأدت إلى اندلاع الثورة الفرنسية كما هو معلوم وتحرير فرنسا من النظام الإقطاعي الاستبدادي بشكل مطلق.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1799 سافر سيمون بوليفار إلى إسبانيا لأول مرة، وهناك أكمل هذا الشاب النبيه الذي لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره تحصيله العلمي والفلسفي والأدبي لأنه كان من عشاق الأدب أيضاً. ثم تعرف على فتاة إسبانية ووقع في حبها. وفكر في الزواج منها فوراً وتأسيس عائلة على الرغم من صغر سنه. وكان يحب أن ينجب الأولاد الكثيرين لكي يعود بهم وبزوجته إلى فنزويلا حيث تنتظره ثروته الكبيرة التي ورثها، وكان راغباً في أن ينعموا بها.

ولكن عمه منعه من الزواج وقال له انه لا يزال صغيراً ويمكن أن يفكر في هذا الموضوع لاحقاً، ثم نصحه بالسفر في أنحاء إسبانيا وأوروبا للتعرف عليها. وقد وصلت به قدماه إلى فرنسا وباريس تحديداً، ومعلوم أنه أعجب بها كثيراً وأحب ثقافتها وآدابها ونمط حياتها. ثم عاد إلى مدريد عام 1802 حيث تزوج بالفتاة التي يحبها. ثم أخذ زوجته معه وعاد إلى الوطن عام 1803. وعاش أياماً سعيدة مع زوجته الشابة ولكن القدر سرعان ما فجعه بها، فقد ماتت وهي في عمر الزهور في نفس العام.

وقد كتب رسالة إلى أحد أصدقائه يقول: إنك لا تعلم حجم فجيعتي. لقد فقدتها وفقدت معها أجمل لحظات حياتي. إن الألم لا يتركني أرتاح لحظة واحدة. يا إلهي لماذا أخذتها إليك وحرمتني منها؟

ولم يستطع الأرمل الشاب أن يبقى فترة طويلة في فنزويلا بعد أن ماتت زوجته الشابة، لم تعد الحياة تعني له شيئاً بعد رحيلها. نقول ذلك وبخاصة أنه كان إنساناً حساساً ورومانطيقياً، ولذلك عاد إلى أوروبا عام 1804 واستقر في باريس. وفي ذلك الوقت كان نابليون بونابرت قد أصبح البطل المتوج على فرنسا. وكانت باريس تضج بالأحداث المهمة، والتحولات الثورية، والأعياد الفرحة.

كانت عاصمة المتغيرات العالمية والمنتديات الفكرية والثقافية والسياسية. وقد استفاد سيمون بوليفار من هذا الجو كثيراً، ومعلوم أنه كان معجباً بنابليون وأفكار الثورة الفرنسية. وبدءًا من تلك اللحظة أخذ يفكر بتحرير أميركا اللاتينية من الاستعمار والاستعباد.

وفي باريس التقى بأستاذه القديم سيمون رودريغيز الذي علمه حب جان جاك روسو والأفكار الجديدة، وسافر معه إلى إيطاليا. وهناك صعد على قمة جبل رائع وأقسم يميناً بالله بأنه سيحرر أميركا اللاتينية من الاستعمار الإسباني مهما كلفه ذلك من تضحيات.

وفي 19 أبريل من عام 1810 اندلعت الثورة الفنزويلية، وكان سيمون بوليفار أحد قادتها، بل كان روح الثورة ومحركها على الرغم من صغر سنه: 27 سنة فقط ولكن في عام 1812 حصل زلزال مرعب في العاصمة كراكاس وأدى إلى قتل العديدين في العاصمة وضواحيها، وعندئذ صعد سيمون بوليفار على رأس الحطام والركام وخطب في الشعب قائلاً: حتى لو وقفت الطبيعة ضدنا فإننا سنتحدى الطبيعة وننال استقلالنا.

وبعد أن احتدمت المعارك مع القوى الملكية المضادة لثورة الاستقلال والمؤيدة لبقاء فنزويلا تحت نير الاستعمار، سقط سيمون بوليفار في أيدي هذه القوات أسيراً، ولكنه استطاع الهرب من السجن مع بعض رفاقه، وبعدئذ أصدر بياناً مهماً دعا فيه إلى تحرير كل بلدان أميركا اللاتينية من نير الاستعمار وليس فقط فنزويلا.

وقال ان الثورة ينبغي أن تنتشر كالنار في الهشيم في كل أنحاء القارة المضطهدة والمحتقرة في هويتها وكرامتها. ثم قال أيضاً ان انقسامنا هو الذي جعل أعداءنا ينتصرون علينا، وبالتالي فإن وحدة كل القوى المناضلة من أجل الاستقلال ينبغي أن تكون هدفنا.

وهكذا نفخ هذا القائد الفذ الروح في شعوب أميركا اللاتينية ودلهم على الطريق الصحيح لكي يأخذوا قدرهم بأيديهم وينالوا حريتهم بعد طول استعباد وقمع من قبل إسبانيا، والواقع أنه استخدم الأفكار الأوروبية وبخاصة أفكار التنوير والثورة الفرنسية لكي يحارب بها القوى الاستعمارية الأوروبية ذاتها، وأعطانا بذلك درساً في التضحية والصمود والبحث عن الحقيقة والعدالة.

* الكتاب: قصة حياة سيمون بوليفار

*الناشر: مطبوعات جامعة ييل 2006

*الصفحات: 349 صفحة من القطع الكبير

Simon Bolivar, a life

John Lynch

Yale University Press 2006

p.349