مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي جان فرانسوا سوسبييل المستشار الدولي والخبير بالشؤون الإستراتيجية. وهو أحد المختصين الفرنسيين المعروفين بشؤون الصين والقارة الآسيوية. وقد انهمك في دراسة هذه القضايا منذ عشرين سنة على الأقل. وهو يقدم هنا دراسة مفصلة عن وضع العلاقات الصينية ـ الأميركية ومدى التنافس الجاري بين هذين البلدين الكبيرين.
والسؤال الذي يطرحه المؤلف منذ البداية هو التالي: هل سيكون القرن الحادي والعشرين هو العصر الأميركي الجديد، أم سيكون عصر الانتقام الصيني؟ بمعنى آخر: هل ستظل أميركا القوة الوحيدة العظمى المسيطرة على العالم أم أن الصين ستحل محلها بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟
ويجيب المؤلف قائلا: منذ خمس سنوات نلاحظ أن الأنظار كلها تتركز على الصين لسبب بسيط، هو أن الحرب المبرمجة بينها وبين الولايات المتحدة قد ابتدأت في الواقع ولكن دون أن يشعر بها أحد.
ثم يردف المؤلف قائلا: في عام 1979 ابتدأت الصين لأول مرة تنفتح على العالم الخارجي في عهد دينغ هسياو بنغ. وبعد ثلاثة عقود من ذلك التاريخ تغير وجه الصين وحققت قفزات عملاقة إلى الأمام. فيوما بعد يوم راحت الصين تزيد من قوتها على جميع الأصعدة والمستويات وتصبح قوة عظمى.
وراحت تزعزع كل الأسواق العالمية وكل القطاعات الاقتصادية: من قطاع البترول، إلى قطاع المواد الأولية، إلى قطاع التوظيف والخدمات، إلى قطاع الرواتب والأسعار. وفي بداية هذا القرن الحادي والعشرين نلاحظ أن الصين تمارس موقفا هجوميا تجاه العالم كله، ولكن بشكل اقتصادي ناعم لا بشكل عسكري واضح. ويبدو أن رغبتها العارمة في الانتقام من عصور الذل والقهر قد أصبحت من القوة بحيث أنه تصعب مقاومتها.
وهكذا تحولت إلى عدوة لأميركا دون أن تشعر تقريبا. بل ويمكن القول بأنها ستكون العدو الأكثر شراسة وخطورة على الهيمنة الأميركية. وبالتالي فالحرب بين هذين البلدين العملاقين أصبحت مبرمجة، بل أنها قد ابتدأت الآن.
ولكي يبرهن المؤلف على أطروحته هذه فإنه يقسم كتابه إلى مقدمة عامة وثلاثة أجزاء وكل جزء يتفرع إلى عدة فصول. وبالتالي فالكتاب مؤلف بشكل منهجي صارم. المقدمة تحمل العنوان التالي: الحرب العالمية الرابعة. وهذا يعني أن الحرب العالمية الثالثة كانت هي الحرب الباردة التي انتهت بانتصار المعسكر الرأسمالي على المعسكر الشيوعي. والحرب العالمية الرابعة ستكون بين الصين والولايات المتحدة. هذا شيء أصبح الخبراء الإستراتيجيون متأكدين منه الآن.
أما الجزء الأول من الكتاب فيكرسه المؤلف للتحدث عن سرد تاريخي لكل الحضارة الصينية منذ أقدم الأزمان وحتى الآن. ويتحدث فيه عن كيفية إذلال الصين من قبل القوى الأوروبية العظمى وبخاصة إنكلترا في القرن التاسع عشر. ولكنها أُذلت أيضا من قبل اليابان في نهاية هذا القرن نفسه.
ولذلك فإن الصينيين مفعمون برغبة هائلة في الانتقام من كل هؤلاء الذين أذلوهم على الرغم من ضخامة عددهم واتساع بلادهم وعظمة تاريخهم، وهم لا يستطيعون أن ينتقموا إلا بعد أن يبنوا قوتهم الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الجبارة.
ثم يقول المؤلف بأن الصين استطاعت أن تصبح في مركز العولمة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاثين سنة. وهكذا كانت انطلاقتها صارخة وناجحة أكثر مما كان القادة الصينيون أنفسهم يتوقعونه. وقد فاجأت العالم بديناميكيتها، ولم يكن أحد يتوقع لها أن تلحق بركب الحضارة العالمية خلال فترة وجيزة كهذه.
ويرجع الفضل في ذلك إلى دينغ هسياوبنغ الذي حل محل ماوتسي تونغ في قيادة البلاد. وقد اتبع سياسة رأسمالية واقعية على الصعيد الاقتصادي وتخلى عن الشيوعية ومناهجها الفاشلة. والشيء الغريب العجيب هو أن الصين ظلت شيوعية سياسيا ولكنها أصبحت رأسمالية اقتصاديا! وهذا التناقض الصارخ قد يسبب لها مشاكل لاحقا.
ثم يردف المؤلف قائلا في الجزء الثاني من كتابه: نعم لقد ابتدأت الحرب بين الصين والغرب وبالأخص بين الصين والولايات المتحدة. ويبدو أن سياسة بوش تهدف إلى احتواء الصين أو إيقاف جموحها وانطلاقتها، ولتحقيق هذا الغرض بلور عقيدة إستراتيجية جديدة. وتقوم هذه العقيدة على الفكرة التالية: الصين ليست قوة عظمى وإنما قوة آسيوية، ولا ينبغي أن نتركها تتوسع على حساب جيرانها أو تهيمن عليهم.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن بيل كلينتون كان يحترم الصين ويعاملها تقريبا كقوة عظمى أو كند لأميركا. أما بوش فلم يقبل بذلك، وإنما أعادها إلى حجمها الطبيعي كدولة عظمى إقليمية أو آسيوية لا كقوة عظمى عالمية. وهنا يكمن الفرق بين عهد كلينتون وعهد بوش.
وهناك طريقة ماكرة تؤدي إلى تجحيمها وإيقافها عند حدها: ألا وهي دعم القوى الأخرى المجاورة لها لكي تقف في وجهها. وهذه القوى هي اليابان أولا، ثم الهند ثانيا، ولذلك فإن بوش يرغب في إقامة تحالف إستراتيجي مع الهند الجارة للصين والعدوة التاريخية لها. وقد مشى بعض الخطوات على هذا الطريق. فالهند أيضا تعد أكثر من مليار شخص، وهي في حالة صعود كالصين.
وبالتالي فالولايات المتحدة لن تواجه الصين مباشرة، على الأقل في الوهلة الأولى، وإنما سوف تستخدم ضدها جاراتها لكي تحيّدها. وهذه سياسة ذكية: سياسة فرق تسد.
يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة قد تقيم تحالفا مع روسيا من أجل تطويق الصين. ومعلوم أن روسيا هي أقوى دولة عسكرية في العالم بعد أمريكا، فهي تمتلك العدد الأكبر من الرؤوس النووية ولا يمكن مقارنة الصين بها من هذه الناحية.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
والواقع أن القوى العظمى التي ستسيطر على القرن الحادي والعشرين هي التالية: الولايات المتحدة الأميركية، الصين، الهند، روسيا، البرازيل، اليابان، الاتحاد الأوروبي. ولن يكون مركز الصراع العالمي غدا هو الشرق الأوسط كما حصل طيلة القرن العشرين، وإنما سيكون في آسيا الشرقية.
وهكذا تطوى صفحة في تاريخ البشرية وتبدأ صفحة جديدة. وعندئذ لن تكون القاعدة هي العدو الأساسي لأميركا كما يتوهم معظم الناس حاليا، وإنما ستكون الصين. فالصين أقوى من القاعدة بما لا يقاس. القاعدة ليست شيئا بالقياس إلى قارة أو دولة إمبراطورية كالصين.
وقد فهمت أميركا هذه الحقيقة جيداً. ولذلك فإنها تصرف سنويا مبلغ عشرة مليارات دولار لتطوير أسلحة مضادة للصين فقط. وبالتالي فكل واحدة من هاتين الدولتين تحضر نفسها للمواجهة الكبرى.
* الكتاب: الصين ـ الولايات المتحدة الأميركية الحرب المبرمجة سلفا
*الناشر: فيرست ايديسيون باريس 2006
*الصفحات: 380 صفحة من القطع الكبير
Chine - USA, la guerre programmée
Jean - François Susbielle
First Editions - Paris 2006
p.380

