مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الإنجليزية توريل موا المختصة بالفن والأدب والفلسفة والعلاقة الكائنة بين كل هذه الاختصاصات. وهي تقدم هنا دراسة مطولة ومفصلة عن واحد من كبار المسرحيين في القرن التاسع عشر: الكاتب النرويجي هنريك ابسين.
ولد ابسين في النرويج عام 1828 في عائلة مصابة بالويلات. فوالده فشل في أعماله فجأة وأفلس عندما كان ابسين طفلا في السابعة فقط من عمره. ثم غرق أبوه تحت الديون وراح يلجأ إلى الشراب كحل لمشكلته الشخصية أو بالأحرى لنسيانها. وهكذا أصبح سكيرا عربيدا صباح مساء، وهذا ما أدى إلى حصول مشاكل عائلية في البيت، الشيء الذي أثر كثيرا على شخصية الطفل. ثم حصل الطلاق بين أبيه وأمه وزاد ذلك من تعقيد الأوضاع المادية والنفسية، وسوف ينعكس هذا الجو المتشائم الأسود لاحقا على مسرحياته ومؤلفاته.
وسرعان ما ترك ابسين البيت العائلي وذهب إلى مدينة أخرى في النرويج لكي يعيش بهدوء، وقد وجد عملا في إحدى الصيدليات وعمره لا يتجاوز السادسة عشرة. وهكذا استطاع أن يحقق استقلاليته المادية ويؤمّن رزقه. وكان ينوي أن يصبح طبيبا، ولكن ظروف الحياة وطبيعته النفسية دفعته نحو الكتابة، فغيّر رأيه لاحقا وأصبح كاتب مسرحيات من الطراز الأول، بل ربما كان أشهر كاتب أنجبته النرويج في تاريخها كله.
ثم تردف المؤلفة قائلة بما معناه:
في عام 1848 اندلعت الثورة الاجتماعية والسياسية في كل أنحاء أوروبا. وقد تأثر بها كثيرا، وهي التي دفعته إلى كتابة مسرحيته الأولى: كاتيلينا. وقد نشرت على حسابه الشخصي عام 1850 وتحت اسم مستعار. وقد موّل عملية النشر أحد أصدقائه بعد أن رفض المسرح النرويجي مخطوطته، ولم يطبع منها إلا مائتين وخمسين نسخة. وكان ابسين لا يزال عاملا في الصيدلية.
ثم سافر إلى أوسلو عاصمة النرويج لتحضير شهادة البكالوريا ودخول الجامعة، كلية الآداب. وكانت نفسه مليئة بالمشاريع الفنية والشعرية والفكرية. ثم نشر مسرحية ثانية بعنوان: تلة المحاربين. وقد قبل مسرح أوسلو هذه المرة أن تمثل على خشبة المسرح الكبير، وحضرها جمهور لا يقل عن خمسمئة وسبعة وخمسين شخصا. ولكنها لم تحظ بالنجاح المنتظر. والواقع أن ابسين سوف ينتظر وقتا طويلا قبل أن يعرف طعم النجاح والشهرة.
ثم اقترح عليه أحدهم أن يصبح مديرا لمسرح مدينة تدعى بيرجين، وقبل الاقتراح نظرا لولعه بالمسرح والمسرحيات. وقد أتيح له بعدئذ أن يقوم بزيارة إلى كوبنهاغين عاصمة الدنمارك، ثم إلى دريسدن في ألمانيا. وهناك تعرف على تقنيات المسرح بشكل أفضل.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 1858، أي في الثلاثين من عمره تزوج ابسين وأنجبت زوجته طفلا في العام التالي وأصبح مستشارا لمسرح أوسلو في آن معا.
وفي عام 1864 حصل انعطاف كبير في حياته، فقد تلقى منحة دراسية من روما عاصمة إيطاليا، وسافر إلى هناك لكي لا يعود إلى بلاده قبل ربع قرن أو أكثر! وقد أتاحت له هذه المنحة أن يسافر عبر أوروبا من ألمانيا إلى النمسا إلى إيطاليا. وأفادته هذه التجربة كثيرا. وراحت كتابته تنحو باتجاه التيار الواقعي الاجتماعي. وهكذا انتقل من المرحلة الرومانطيقية إلى المرحلة الواقعية. وقد كتب عندئذ دراما اجتماعية تتحدث عن الفقراء والمحرومين وكان عنوانها: بيت الدمية (1879).
وقد لقيت نجاحا عالميا منقطع النظير في السنوات التالية. وعندئذ أصبح ابسين مشهورا جدا، وأصبحت مسرحياته تمثل فور صدورها وفي كل عواصم أوروبا في آن معا!
والواقع أن مسرحية بيت الدمية طرحت مشكلة وضع المرأة في المجتمع الحديث ومدى اختلاف ذلك عن وضعها في المجتمع التقليدي. من هنا حداثة ابسين الفكرية والاجتماعية والفلسفية، فالرجل تناول مشاكل عصره بكل واقعية ومسؤولية. ثم نشر بعدئذ مسرحياته الكبرى الواحدة بعد الأخرى: ك«العائدون»، و«عدو الشعب»، و«سيدة البحر»، الخ.
وفي عام 1899 نشر مسرحيته الأخيرة بعنوان: عندما نستيقظ بين الموتى. وبعدها سكت حتى مات في مطلع القرن العشرين عام 1906 لأن المرض اشتد عليه ومنعه من مواصلة الكتابة. وعندما وصل إلى أواخر حياته كان قد أصبح أشهر كاتب مسرحي في كل أنحاء أوروبا، وكان يعرف أنه قد تجاوز بشهرته حدود النرويج، هذا البلد الصغير، بل وشكل لبلده مجدا أوروبيا وعالميا لم يعرفه طيلة حياته كلها.
ثم تردف المؤلفة قائلة: والواقع أن ابسين كان شاعرا كبيرا أيضا وليس فقط كاتب مسرحيات. ففي عام 1871 نشر ديوان شعر، ولكن يبقى صحيحا القول بأنه كرس معظم جهوده لكتابة المسرحية. وقد استطاع ابسين المزاوجة بين الأسلوب الواقعي والأسلوب الرمزي الشاعري في الكتابة. هذا بالإضافة إلى تصويره للشخصيات بشكل سيكولوجي، عميق، معقد. ولهذا نعته بعض النقاد بأنه «فرويد المسرح». فابسين كاتب عميق ولا يكتفي بتصوير الشخصيات من الخارج وإنما ينفذ إلى أعماق الداخل.
من هنا حداثته أيضا، ولذا يمكن القول بأنه جمع بين الفن والمسرح والفلسفة. فهو فيلسوف بقدر ما هو فنان، وقد أثر تياره على معظم الكتاب الأوروبيين الذين جاؤوا بعده. وأخيرا يمكن القول بأن الأعمال الأدبية لهنريك ابسين تمثل تأملا شعريا طويلا حول حاجة الكائن الإنساني إلى أن يعيش بشكل أفضل مما يعيشه في الواقع. فالحياة صعبة، مريرة، وكثيرا ما تؤدي إلى فراق الأحبة. والإنسان كان يتمنى لو أنه يحياها بشكل أفضل، ولكن الحياة هي الحياة.
والناقد الإيطالي بنديتو كروتشه قال عنه بأنه كاتب يائس من الحياة، أو قل أنه عرف كيف يعبر في مسرحياته وكتاباته عن الجانب المظلم والمأساوي من الحياة والوجود. وهنا تكمن حداثته أيضا. فالكاتب الحديث ليس هو ذلك الذي يخفي الحقيقة وإنما ذلك الذي يكشفها ويعرّيها حتى ولو كانت جارحة.
وتكمن عظمة ابسين في أنه استطاع أن يجمع في مسرحياته بين كل جوانب الحياة الواقعية: أي بين الجوانب الإيديولوجية، والجوانب النفسية السيكولوجيكية، والصراعات الاجتماعية والطبقية. وبالتالي فكل العصر ينعكس في مسرحيات هذا الكاتب الفذ الذي وصل تأثيره الفني والفكري إلى زوايا العالم الأربع.
* الكتاب: هنريك ابسين وظهور الحداثة: في الفن والمسرح والفلسفة
*الناشر: مطبوعات جامعة أوكسفورد 2006
*الصفحات: 396 صفحة من قطع كبير
Henrik Ibsen and the birth of
modernism: art, theatre, philosophy
Toril Moi
Oxford university Press
p396
