يعد مؤلف هذا الكتاب «بندلي جوزي» المستشرق الروسي من روّاد دراسة الفكر الإسلامي وفق المنهج المادي التاريخ والرؤية الاجتماعية القائلة بالصراع الطبقي. وقد وضع جوزي معظم مؤلفاته باللغة الروسية إلى جانب كتاب واحد باللغة العربية هو «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»، القدس 1928، وله ثلاثة كتب مترجمة، الأول «الأمومة عند العرب» والثاني «أمراء غسان من آل جفنة» والثالث «دراسات في اللغة والتاريخ».

من هنا كان اهتمامه برصد الخلفية التاريخية التي أفرزت الفكر الإسلامي بكافة اتجاهاته وتطوراته، إنها أول محاولة لتبني موقف الدفاع عن قوى المعارضة في الإسلام. يبدأ كتابه بمقدمة «وحدة النواميس الاجتماعية» التي تقول إن تاريخ الشرق وحياته الاجتماعية وعقلية شعوبه تخضع لنفس النواميس والعوامل التي تخضع لها حياة وتاريخ الأمم الغربية، فلا فرق إذن في هذا الوجه بين الشرق والغرب ولا تفوق طبيعيا لأحدهما على الآخر.

في الفصل الأول «أسس الإسلام الاقتصادية» يبيّن أن الإسلام كغيره من الأديان الكبيرة، ليس فقط فكرة دينية بل مسألة اقتصادية واجتماعية أكثر منه فكرة دينية، ومن فضل مؤسس الدين الإسلامي ومظاهر عبقريته أنه أدرك مصدر الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت في أيامه في مكة الحجاز، وعرف كيف يستفيد منها ويسخّرها لأغراضه السامية، دينية كانت أم اجتماعية.

ولا ريب أن الحركة الإسلامية بنْت عصرها ووليدة ذلك الوسط الاجتماعي الذي تكوّن في مكة أواخر الجيل السادس بعد المسيح. فقد أصبحت مكة مدينة تجارية بسبب ما كان يأتيها من بضائع وبسبب كونها مركزاً دينياً لكثير من العرب يحجون إليها في كل عام مدى ثلاثة أشهر، ويقضون في أسواقها أفضل فتراتهم ويستثمرونها لمنفعتهم الشخصية ويستمدون منها نفوذهم بين العرب وقوتهم السياسية والمعنوية المرتكزة على قوتهم المالية.

فالمال كان موفوراً في مكة والطائف، وكان أصحابه كثيرين، وفي القرآن الكريم وسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والشعر الجاهلي، أعظم دليل على ذلك، وإن هذا التباين في الفقر والغنى نبّه النبي العربي إلى النزاع الاجتماعي الموجود بين طبقات الناس في بلدته، والبحث عن منابعه، هو الذي دفعه إلى إعلان الحرب الكلامية على الطبقة الظالمة الفاجرة المحتكرة لموارد الثروة والمستغلة لأتعاب الفقراء وسكان البادية السذج، كان سلاح النبي في هذه الحرب كلمة الإخلاص يدعو بها ويحذر ويستعطف

ويسترحم ثم يوعد ويهدد لا يخاف في القول لومة لائم، ويقول الحق حتى على نفسه وأقرب الناس إليه، لقد انتصر النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه الأفكار الجديدة وأصبح سيد قومه وهذا ما جعله يتبع في النصف الأخير من حياته الاجتماعية سياسة غير تلك التي اتبعها في مكة وهي سياسة اقتضتها الظروف الجديدة وما طرأ على نفسية النبي (صلى الله عليه وسلم) من التغيير،

هذا ما كان من أمر النبي العربي ورئيس مكة الخبير المحنك، الذي كان يتكلم بلسان الملأ المكي ويهجر الأوثان ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، لقد استفاد تجار مكة من الحركة الإسلامية وبعض أفكار ومبادئ الرسول (صلى الله عليه وسلم). فأسسوا دولة من أعظم دول العالم تكاد لا تكون بينها وبين (الأمة) التي أوجدها النبي (صلى الله عليه وسلم) علاقة تذكر، وفي ذلك من الأدلة على ذكاء بني أمية وبعد نظرهم وحنكتهم في السياسة ما لا ينكره إلا كل مكابر جاهل أو متعصب ذميم.

الفصل الثاني خصصه لـ «الإمبراطورية العربية والأمم المغلوبة»، يقول فيه إن اشتغال العرب بالفتوحات الواسعة وتمصير البلدان مع ما تبع ذلك من تدفق الأموال إلى جزيرة العرب وتفرّق القبائل العربية في عرض البلاد المفتوحة وطولها ألهتهم زمناً طويلاً عن التفكير في المسائل الاجتماعية التي كانت أهم بواعث الحركة الإسلامية ومصدر ثروتهم، ثم لا ريب أن الفتوحات المذكورة واتخاذ عواصم جديدة خارج جزيرة العرب، كل ذلك قد ساعد على انتقال مركز الحركة الفكرية من مكة والمدينة إلى غيرها من المدن الكبيرة العريقة في التمدن.

يظهر أن سوء الاستعمال في جباية الأموال، وضع بعض ضرائب على غير المسلمين ابتدأ في آخر أيام خلافة عمر بن الخطاب كما يفهم من الشكاوى الكثيرة التي كانت ترفع إليه. لقد توفي الخليفة المصلح والفاتح العظيم عن 63 عاماً قضى العقد الأخير منها في تأسيس إمبراطوريته العربية العظيمة

ومن القوانين الضرورية لحفظها وضمانها من عثرات الزمان وعبث الرجال، فخلفه صهر النبي وأحد أصدقائه عثمان بن عفان أحد أشراف بني أمية وأغنيائهم وأحد أدباء عصره القليلين، فقتل الخليفة الثالث وانتقلت الخلافة إلى صهر النبي وابن عمه علي بن أبي طالب، فكانت أيام خلافته حروباً ومنازعات انتهت بعد ست سنوات بقتله وانتقال الخلافة إلى بني أمية.

والفصل الثالث عنون بـ «حركة بابك وتعاليمه الاشتراكية» تطرق فيه الكاتب إلى حركة بابك الخرمي وأثبت أنها تختلف عن الحركات الثورية بتنظيم الحركة وفي الغاية التي ترمي إليها، وفي اشتراك عدد كبير فيها من الأمم المجاورة لبلاد فارس، كالكرد والأرمن والروم وغيرهم من قبائل ما وراء القفقاس وإن بابك وأتباعه ثبتوا أمام جيوش خلفاء بغداد أكثر من عشرين سنة كانوا يدافعون عن مبادئهم وأرواحهم مدافعة الأبطال المستميتين في حب بلادهم وحريتهم، وإنهم وإن غلبوا في آخر الأمر فقد تمكنوا من ضرب عدوهم الألد ضربة كادت تقضي عليه وتأتي على قواه المادية والمعنوية.

إن بابك وأتباعه كانوا يرمون إلى هدم ذلك النظام المستند على أصحاب الأملاك «الدهاقين» ورؤساء الدين والجيوش المسخرة المأجورة وإبداله بنظام جديد ليس فيه طبقات ولا نزاع مستمر بينها ولا ظالم ولا مظلوم ولا غني وفقير ولا سيد وعبد ولا كبير وصغير نظام مبني على العدل والإخاء والمساواة،

وإن برنامج بابك ومازيار وسائر اشتراكي أذربيجان وطبرستان كان يحتوي على مسائل اجتماعية واقتصادية فقط يمكن حصرها في مسألتين أساسيتين وهي نزاع الأراضي الواسعة من أربابها الذين اغتصبوها من الفلاحين أو الدولة وتوزيعها على المزارعين المحتاجين إليها، وتحرير المرأة الشرقية أو الإيرانية على الأقل من عبوديتها الأبدية وإعطائها أهم ما للرجل من حقوق، كالمزدكية وأصحاب ماني تماماً.

في الفصل الرابع المعنون بـ «الإسماعيلية» ينبه الكاتب إلى أن أول من انتبه إلى تعميم الدعوة واتخاذ وسائل أقوى، هو عبد الله بن ميمون القداح أو الإسماعيليون، فإنهم قد رأوا بعد درس شؤون الدولة العثمانية درساً وفياً، أنه لا بد للقضاء عليها وعلى نظامها الاجتماعي من بث الدعوة الجديدة بين جميع الأمم والطبقات والأديان المؤلفة منها دولة المنصور وقتئذ. كما لا بد من جمع كلمة جميع المستائين من حكم خلفاء بغداد وإثارة عواطف البغض فيهم، ثم دك تلك الأسس التي كانت قائمة عليها الدولة المذكورة وأهمها الدين والأدب والعاطفة القومية.

خرجت من ثنايا الإسماعيلية، القرامطة والفاطميون والحشاشون والدروز والزيدية في اليمن وإسماعيلية هذا اليوم... فكانوا يخاطبون كل قوم بلسانهم ويراعون ميولهم وعواطفهم ودرجة نموهم العقلي، فربما كانوا يخاطبون الفارسي بغير ما كانوا يخاطبون به العربي، ويصطادون المسلم بخلاف ما كانوا يصطادون به غير المسلم،

ويكاشفون الفلاسفة وأهل العلم والطبقة الراقية من الناس بغير ما كانوا يدعون الطبقة السفلى وهلم جرّا. والفرق بينهم وبين المعتزلة أن الإسماعيلية كانوا يؤولون الديانات وأحكامها وشعائرها تأويلاً يؤدي إلى نفيها على حين أن المعتزلة كانوا يحاولون أن يوفقوا بين الدين والعقل بدون أن يضحوا بأحدهما على الآخر.

القرامطة فرع من فروع الشجرة الإسماعيلية الكبرى، أنيط به نشر الدعوة بين العرب والنبط خاصة، وكانوا يتبعون في جميع حركاتهم وسكناتهم الأوامر التي تصدر إليهم من إمام الزمان. في واسط بين الكوفة والبصرة، وأكثر سكان هذه البلاد خليطاً من العرب والنبط والسودان الذين كانوا يجلبون من أفريقيا لاعتمال الأراضي واستغلالها،

فلا عجب أن ترى الأكثرية منهم مستائين وميالين إلى كل دعوة من شأنها أن تخفف عنهم حملهم الثقيل وتدعو إلى الرحمة والرأفة بهم، وكانوا يعتقدون أن صاحب الزمان ودعاته سوف يحررونهم من نير العبودية وظلم الدولة وأصحاب الأملاك. انتقلت الدعوة إلى البحرين، فالتف حولها سكان تلك المقاطعة على اختلاف طبقاتهم وعناصرهم من أهل المدن الناقمين على الدولة العباسية ونظامها السياسي والاجتماعي، ومن أعراب البادية الذين كانوا يكرهون كل ما له علاقة بالزكاة والأعشار التي لم يتعودها البدو.

هاجم القرامطة البصرة وانتصروا على جيش الخليفة هناك، ثم صار كل إقليم البحرين واليمامة وقسم كبير من عمان لهم. لولا أن توفي أبو سعيد الجنابي، فخلفه أبوطاهر سليمان فصار يزحف على البصرة وبغداد والحجاز والحرمين.

إن أول حلقة أخوية ظهرت بين القرامطة كانت حلقة «إخوان الصفا» التي تأسست في النصف الثاني من العصر العاشر، ومن الذين تأثروا بمبادئ الإسماعيلية بعض الطرق الصوفية والدراويش كالنقشبندية والرفاعية والمولوية والبكطاشية

.

فيصل خرتش

* الكتاب: من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام

*الناشر: رؤية للنشر والتوزيع القاهرة 2006

*الصفحات: 226 صفحة من القطع المتوسط