«نحن كأفراد، نفقد بتسارع مطرد سمعتنا الطيبة فيما يخص نزاهة التعامل الإنساني. إن أمتنا تفقد هويتها، وخسران الأمة لشرفها، سيقودها حتما إلى الدمار»، ذلك ما صرح به الكاتب الأميركي الأفريقي ويليام ويلز براون في إحدى محاضراته المناهضة للعبودية.
كان براون الذي يعتبر أول من كتب الرواية من الأفارقة الأميركيين في الولايات المتحدة، من العبيد منذ ولادته في كنتاكي عام 1814، وحتى تمكن من الهرب إلى كندا عام 1834 بعد محاولتين فاشلتين. وفي كندا اختار لقبه ويلز براون وفاء لمن ساعده في الهرب وهو من محرري العبيد في تلك الفترة.
عمل في كندا لمدة تسع سنوات، وكان أحد أفراد مجموعة المساهمين في تحرير العبيد وذلك من خلال عمله على قارب بخاري. ومن خلال إصراره على الدراسة في الفترة المسائية بات براون عام 1843، محاضرا ممثلا لجمعية نيويورك لتحرير العبيد، وحينما أضحى من الأسماء اللامعة تم تعيينه في الجمعية الأميركية لتحرير العبيد.
استقر بعد ذلك في بوسطن ونشر عام 1847 سيرته الذاتية «سيرة ويليام ويلز براون، عبد لاجيء». سافر بعد ذلك إلى أوروبا واضطر إلى البقاء فيها لمدة ثلاث سنوات بعد سحب قانون اللجوء الخاص بالعبيد، ولم يتمكن من العودة إلا بعدما اشترى أصدقاؤه البريطانيون حريته. وأول عمل نشره بعد عودته كتابه «ثلاث سنوات في أوروبا» وكان ذلك عام 1852.
وفي عام 1853 نشر براون في لندن روايته (كلوتيل، ابنة الرئيس)، وتتناول قصتها علاقة الرئيس توماس جيفرسون بعشيقته العبدة سالي هيمينغ، وكان يهاجم من خلالها العبودية بشراسة. لم يحظ هذا العمل في البداية باهتمام واسع، إلا أن ذلك لم يثبط همة براون الذي كتب بعد ذلك مسرحية «الهروب» ونشرت عام 1858 إلى جانب بعض الأعمال التاريخية منها «الرجل الأسود» و«الزنوج في الثورة الأميركية»، وآخر عمل له مجلد آخر من سيرته الذاتيه «موطني في الجنوب» ونشر عام 1880.
عاود براون الذي توفي في 6 نوفمبر عام 1884 في تشيلسي ماساتشوتس، نشر روايته «كلوتيل» حينما عاد إلى موطنه بعد أن غير أسماء أبطال الرواية إلى جانب بعض المراجعات في السرد بهدف التركيز على الفارق اللوني، وذلك على حلقات في إحدى المجلات الأسبوعية. أما النسخة الثالثة فنشرت بعنوان «كلوتيل، حكاية من ولايات الجنوب»، وفي النسخة الرابعة أضاف أربعة فصول جديدة تضمنت معاصرة المستجدات التاريخية إلى ما بعد عامين من الحرب الأهلية.
ويشعر القارئ في عصرنا هذا لدى قراءته العمل، بأن الراوي يتحول إلى عين سينمائية تريه مجريات الأحداث وتطوراتها من خلال رؤيا نقدية كالأفلام الوثائقية ولكن من دون فقدان عنصر التشويق، حيث يجد القارئ نفسه في مواجهة علنية مع فكره بعد كل مرحلة من الأحداث، كما تضمنت روايته القصيدة والأغاني الفولكلورية الشعبية الخاصة بالعبيد مع بعض مقالات الصحف والطرف وذلك لمعايشة عالمهم عن قرب.
ويستهل براون الرواية التي شملت مقدمتها ملخصا لسيرته الذاتية وهربه، بمزاد التجار على كورر الأم عشيقة توماس جيفرسون وابنتيها حيث يبرز من خلال هذا المشهد الظلم الفاحش وغياب العدالة والقانون الذي لا يعترف بزواج البيض من الملونين.
وعلى الرغم من أن الشخصيات الرئيسية في بداية العمل هي الأم كورر وابنتاها ألتيسا وكلوتيل إلا أن العمل يعاصر ثلاثة أجيال من النساء. وتتداخل محاور أحداث الرواية من خلال الحبكات الثلاث الخاصة بتتبع مصير الأم وابنتيها وذلك في عدة مناطق تشمل ناتشيز وميسيسيبي ونيو أورليانز ولويزيانا وريتشموند وفرجينيا.
وخلال المزاد يشتري الشاب هوراشيو غرين ابن المزارع الثري، كلوتيل ويتزوجها، في حين تؤول ملكية ألتيسا وأمها إلى تاجر رقيق جشع يدعى ريك وولكر. وبينما تعيش كلوتيل في راحة وهناء إلى حين، فإن ألتيسا ووالدتها تباعان مرارا وتكرارا وفي ظروف سيئة.
في النهاية، تستقر كورر في مزرعة في ناتشيز وتموت بداء الحمى الصفراء قبل وفاة المالك جون بيك وأمام ناظري ابنته جورجينا ذات الفكر الحر والضمير الحي، التي تمثل بارقة الأمل في العمل والتي تأخذ على نفسها لاحقا تحرير عبيدها لتكون مثلا يحتذي به الآخرون.
كما تنتهي حياة الابنة ألتيسا بصورة تراجيدية أيضا، فبعدما عاشت زمنا في سعادة مع زوجها وسيدها الأبيض هنري مورتون، تنهار حريتها وحرية ابنتيها بوفاته. وهكذا يعود الثلاثة إلى سوق النخاسة من جديد ومن دون أن تدرك الشابتان المراهقتان أسباب ذلك في البداية.
وبعد حين تنسحب المأساة على كلوتيل أيضا وطفلتها ماري، وذلك حينما تتجاوز طموحات هوراشيو السياسية عائلته حيث يقرر الارتباط بابنة رجل سياسي لزيادة نفوذه. وعندما تكتشف زوجته غيرترود أمر كلوتيل وابنتها، تثور على هوراشيو وتجبره بمساعدة والدها على بيع كلوتيل لنخاس في حين تحتفظ بالابنة كعبدة وخادمة في منزلها لتتفنن في تعذيبها واذلالها انتقاما من والدها.
وتنتقل الأحداث إلى الجيل الثالث حيث تتجلى معاناة ابنتي ألتيسا اللتين تصران على الموت قبل أن يستطيع مالكهما من امتلاك جسدهما وذلك من خلال امتناعهما عن تناول الطعام.
وفي النهاية تتحول الأحداث التراجيدية المكثفة إلى بارقة أمل حينما تنجح ماري في تهريب حبيبها جورج خادم والدها والعبد أيضا. يصل جورج إلى كندا ويحاول تتبع أخبار ماري التي تباع في سوق النخاسة كعقوبة لمساعدتها عبد على الفرار، وحينما يعجز في العثور عليها يغادر إلى أوروبا وهناك يتابع العمل والدراسة.
وبعد مضي عشر سنوات يلتقي الاثنان في فرنسا صدفة، حيث تروي ماري لجورج قصة هروبها مع رجل فرنسي أحسن إليها وتزوجها ثم توفي بعد زمن قصير. وهكذا تنتهي الرواية بلقائهما وزواجهما بعد أن كافحا لنيل حريتهما

