مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأنغلوساكسوني تشارلز ويليامز، وهو يقدم هنا دراسة مطولة ومفصلة عن حياة وأعمال أكبر شخصية فرنسية في القرن العشرين: شارل ديغول. من المعلوم أن هذا الرجل الذي بنى فرنسا الحديثة بعد أن أنقذها من براثن الاحتلال الألماني كان يمثل أهم شخصيات فرنسا على مر العصور.

بل ولا يتردد المؤلف في القول إنه آخر فرنسي عظيم وأحد الخمسة الكبار في التاريخ الفرنسي الحافل بالشخصيات التاريخية والأمجاد. وهؤلاء الخمسة أو الستة الكبار هم: الملك هنري الرابع الذي أقام المصالحة بين المذهبين الأساسيين في البلاد: أي المذهب الكاثوليكي والمذهب البروتستانتي. ثم جان دارك التي أنقذت فرنسا من الإنجليز عن طريق التضحية بنفسها من أجل الوطن، ثم الملك لويس الرابع عشر الذي بنى قصر فرساي، ثم نابليون بونابرت صاحب الفتوحات الشهيرة، ثم جورج كليمنصو، ثم شارل ديغول.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد ولد شارل ديغول في مدينة ليل شمال فرنسا عام 1890. وكان والده هنري ديغول أستاذا لمادة علم التاريخ ورجلا مثقفا ينتمي إلى التيار الكاثوليكي، وهو مذهب أغلبية الفرنسيين، وبالتالي فأصوله يمينية وكاثوليكية بورجوازية.

ويبدو أن ديغول كان منذ صغره شخصا ميالا إلى التمرد والمعارضة. كان ذا شخصية متميزة منذ نعومة أظفاره، وهذا ما لاحظه والده عليه لأن إخوته الآخرين ما كانوا كذلك. وهذا ما سيتيح له لاحقا امتلاك سمات الزعامة والقيادة لأن الشخص الذي لا يعرف أن يقول (لا) لا يمكن أن يصبح قائدا.

ثم دخل الجيش وتخرج ضابطا من الكلية العسكرية الشهيرة: سان سير. وبعدئذ انخرط في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وكان عمره آنذاك أربعة وعشرين عاما. وقد جرح أثناء الحرب بعد أن أبلي بلاء حسنا. وكان قائده آنذاك شخص يدعى فيليب بيتان. وسوف يلتقيان بعدئذ بشكل مختلف أثناء الحرب العالمية الثانية.

والواقع أنهما سوف يتخذان موقفين متناقضين تماما على عكس ما حصل أثناء الحرب العالمية الأولى. فالماريشال بيتان تعامل مع الألمان وأصبح رئيسا للبلاد وفي ظل الاحتلال. هذا في حين أن ديغول كان العدو اللدود للاحتلال النازي. وقد رفض الاعتراف بهزيمة فرنسا وقال (لا) للنازية والفاشية.

مهما يكن من أمر فإن ديغول الذي يحب الحق والعدل لم ينكر أن بيتان كان بطلا أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكنه تحول إلى خائن وعميل أثناء الحرب العالمية الثانية. ولذلك حاكمه بعد الحرب ولكنه رفض إعدامه نظرا للخدمات الجليلة التي قدمها للبلاد أثناء الحرب الأولى ونظرا لكبر سنه أيضا.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولم يشتهر ديغول فعلا إلا بعد أن ألقى نداءه الشهير للأمة الفرنسية بتاريخ 18 يونيو من عام 1940. وكان ذلك على موجات راديو لندن الـ «بي.بي.سي». وفي هذا النداء قال عبارته الشهيرة: لقد خسرنا معركة ولكن لم نخسر الحرب. ودعا الفرنسيين إلى مقاومة المحتل النازي بشتى الوسائل، ورفض الاستسلام وهزيمة فرنسا.

وقد استطاع ديغول بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ أن يعود إلى فرنسا مظفرا منتصرا وأن ينزل شارع الشانزليزيه نزول الفاتحين وهو محاط بالقادة العسكريين والسياسيين. وظلت هذه الصورة التي كثيرا ما تعرض على شاشة التلفزيون محفورة في وعي الفرنسيين.

وأصبح شارل ديغول مجد فرنسا وأشهر شخصية فيها بعدئذ. وقد استلم حكم البلاد لمدة سنتين بين عامي 1944-1946. ولكنه ترك السلطة بعدئذ من تلقاء نفسه عندما وجد أن الأحزاب الفرنسية وكذلك الشخصيات السياسية تتصارع على الفتات والمصالح الشخصية وتنسى المصلحة العامة للبلاد.

وقال عندئذ كلمته الشهيرة أمام وزرائه قبل أن يترك الحكم مباشرة: أيها السادة، لا يمكن للمرء أن يكون رجل الأعاصير الكبرى ورجل الحرتقات السياسية الصغيرة في آن معا! أنا شارل ديغول ولست سياسيا عاديا.

وبالتالي فسوف أترك الحكم بدءًا من هذه اللحظة لأني لا أستطيع أن أنفذ سياستي لمصلحة الوطن في مثل هذه الظروف الدنيئة. وكان ديغول يقصد بعبارته السابقة أنه قاد فرنسا في زمن الإعصار عندما كانت محتلة من قبل الألمان. وبالتالي فلا يستطيع أن ينزل إلى مستوى الصغار وزعماء الأحزاب المختلفة الذين يتنافسون على القشور والمناصب والامتيازات الشخصية.

ثم عاد الجنرال ديغول إلى بيته في قريته الصغيرة لكي يعيش كإنسان عادي، ثم يتفرغ للتأمل والتفكير وكتابة مذكراته. وهذه الفترة من حياته تدعى بفترة: عبور الصحراء، أي فترة الابتعاد عن السياسة أو الحرمان من السلطة. وقد استمرت مدة اثني عشر عاما: أي من عام 1946 إلى عام 1958 تاريخ عودته إلى الحكم وتأسيسه للنظام الجديد المدعو بنظام الجمهورية الخامسة، وهو النظام الذي لا يزال سائدا حتى الآن.

أما قبله فكانت الجمهورية الرابعة هي السائدة، وهي من أتفه الأنظمة التي مرت على فرنسا. فقد كانت الحكومات تتساقط فيها كل سنة أو سنتين أو حتى كل بضعة أشهر. ولم يكن هناك أي استقرار سياسي في البلاد، ولذلك فإن ديغول كان يكرهها ويرفض التعامل معها بأي شكل. ومن بين رؤساء الوزارات في تلك الفترة نذكر غي موليه السيئ الذكر الذي شارك في العدوان الثلاثي على مصر.

ثم يردف المؤلف قائلا:

وعندما اندلعت الأزمة الجزائرية فشلت الجمهورية الرابعة في مواجهتها أو حلها. ولذلك اضطر «غي موليه» وسواه من الزعماء السياسيين إلى الذهاب إلى عند ديغول في قريته لاستشارته، ورجوه أن يقبل بالعودة إلى الحكم من أجل حل هذه المعضلة التي عجزوا عن حلها. وهكذا عاد إلى السلطة عام 1958 لإنقاذ فرنسا مرة ثانية: ولكن هذه المرة من المستنقع الجزائري لا من الاحتلال النازي. ففرنسا كانت قد تشوهت سمعتها بسبب هذه الحرب الاستعمارية القذرة التي دمرت البلاد والعباد وأدت إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى والشهداء.

وعندئذ عرف ديغول أن الحل الوحيد للمشكلة هو القبول باستقلال الجزائر. ولكن معظم قادة فرنسا آنذاك كانوا يرفضون هذا الحل ويتمسكون بما يدعونه: الجزائر الفرنسية. وعندئذ وقع ديغول في صدام معهم، وبخاصة مع اليمين المتطرف ومنظمة الجيش السري الرهيبة والفتاكة. وقد حاولوا اغتياله أكثر من مرة ولكن العناية الإلهية حمته منهم. واستطاع أن ينتصر عليهم في نهاية المطاف وينسحب من الجزائر ويعيد لفرنسا سمعتها وهيبتها الدولية بعد أن تخلى عن العقلية الاستعمارية.

ثم انخرط في بناء فرنسا الحديثة على كافة الأصعدة والمستويات. واتبع سياسة خارجية متوازنة سواء فيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي، أم فيما يخص حرب فييتنام فقد أدانها، أم فيما يخص الاستقطاب الدولي بين القوتين العظميين. وأثبت ديغول أنه شخصية تاريخية قادرة على مواجهة الأعاصير والأزمات الكبرى بكل رباطة جأش، ولذلك بكاه الفرنسيون كثيرا عندما مات عام 1970.

* الكتاب: ديغول، آخر رجل فرنسي عظيم

*الناشر: أباكوس ـ لندن2005

*الصفحات: 580 صفحة من القطع الكبير

De Gaulle, the last great frenchman

Charles Williams

Abacus- London

p.580