عاش مؤلف هذا الكتاب عشرين عاما من حياته متنقلا من بلد إلى آخر، وذلك من الواحات الواقعة في جنوب تونس إلى بيلاروسيا ومرورا بإيران وكولومبيا وجمهورية تشيكيا وروسيا... وهو مؤلف العديد من الكتب من بينها «القوقاز العجيب»، و«المعذبون في روسيا» و«جبل الدم».

ويعود في هذا الكتاب للحديث عن «القوقازيين» حيث يدعو قارئه إلى رحلة عبر ماضي شعوب ذات أصول مختلفة ولغات مختلفة وثقافات مختلفة كانت قد وجدت ملجأ لها خلال أكثر من ألفي سنة في سلسلة جبال القوقاز. وهكذا تعاقبت على كل واد من وديان هذه المنطقة وكل قرية من قراها شعوب عديدة، لكنها ورغم تبايناتها الكبيرة استطاعت أن تقاوم، لفترة تزيد على قرنين، إرادة الاستيلاء عليها من قبل الروس. وأيضا،

ورغم المذابح وعمليات التهجير القسري وتدمير الإرث الثقافي انبعثت هويتها من رمادها لتأكيد خصوصياتها الشركسية أو الإنجازية أو الاوسيتية أو الشيشانية أو الانغوشية أو التترية أو تلك العائدة إلى شعوب داغستان. تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يبحث الأول في تاريخ «شعوب القوقاز» بينما يكرس المؤلف القسم الثاني ل«استيلاء الروس على القوقاز».

ويحدد المؤلف بداية السمات الجغرافية لسلسلة جبال القوقاز التي تمتد على مسافة تزيد على 1000 كيلومتر من البحر الأسود غربا وحتى بحر قزوين شرقا. وكانت هذه المنطقة قد شهدت غزوات متعاقبة عديدة أدت إلى طرد مجموعات بشرية كبيرة إلى الهرب أمام غزاتها لتلجأ إلى الجبال المحضة وبحيث إن شعوبا عديدة تعايشت مع بعضها دون أن تكون هناك أحيانا لغة للتواصل بين القرى المتواجدة. وهذا ما دعا العرب إلى تسمية منطقة القوقاز سابقا، كما يشير المؤلف، ب«جبل اللغات».

ومن الملاحظ أنه جرى استثناء الأرمن والجورجيين من أبحاث هذا الكتاب على أساس أن هذين الشعبين يستحقان «نظرا لأهميتهما الكبيرة» بحثين منفصلين. وهكذا تتعرض شروحات هذا الكتاب تحديدا إلى الشعوب التي أقامت على «الخاصرة الشمالية» لجبال القوقاز والتي كانت تشكل حتى منتصف القرن الثامن عشر ثلاث مجموعات تتمثل في الشركس والإبخازيين في الغرب والاوسيتيين في الوسط والشيشان وشعوب داغستان في الشرق.

وكان الاوستيون قد انضموا إلى روسيا منذ نهاية القرن الثامن عشر، بينما استمر الشراكسة والداغستانيون في حربهم ضد الروس لمدة تزيد على نصف قرن. وكان الشركس قد تبنّوا نموذج حرب العصابات التي قادتها قبائل مستقلة بينما انضوت مقاومة شعوب داغستان (حلف الشيشان) تحت لواء الإسلام.

إذا كانت النزاعات المسلحة قد توقفت عام 1859 فإنها استؤنفت اعتبارا من عام 1870، وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «انطلاقا من عام 1870 غدا تاريخ المنطقة مصنوعا من الثورات العنيفة إلى هذه الدرجة أو تلك أو الكامنة، والتي تناوبت مع فترات من القمع كان آخرها الحرب المأساوية الحالية في المنطقة الشيشانية».

ويفتح المؤلف قوسين للتركيز على المعركة التي أدّت إلى هجرة ما يزيد على مليون من الشركس قسرا إلى تركيا عام 1864 وحيث استعيض عنهم شيئا فشيئا بمجموعات من المستوطنين الروس وبحيث إنه لم يكن هناك في المنطقة الغربية من القوقاز سوى 35 ألف شركسي بينما كان عددهم يفوق المليون قبل تهجيرهم. ويشكل شراكسة القوقاز اليوم أقلية داخل ثلاث دول تنتمي إلى الفدرالية الروسية وتتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي،

وهذه الدول هي «جمهورية اديغا» الواقعة في الجزء الغربي من شمال القوقاز وعاصمتها «مايكوب» على نهر «بييلايا»، ويسكنها 95 ألف شركسي من أصل سكانها البالغ عددهم 450 ألف نسمة. ثم «جمهورية كاراشاييس» ذات الحدود مع جورجيا والتي تقطنها ست عشرة اثنية مختلفة ويمثل الشركس أقل من ربع مجموع السكان البالغ عددهم حوالي 430 ألف نسمة. وأخيرا «جمهورية كاباردينور بالكاريس» وهي الأكبر إذ يسكنها 78 ألف شخص ونصف سكانها تقريبا من الشركس.

ويؤكد المؤلف أن الشركس في هذه الجمهوريات الثلاث يؤكدون على هويتهم الثقافية، بل ويرغبون أن يتوحدوا تحت نفس الاسم، أي «شعب أديغا». وتتم الإشارة إلى أن الشركس الموجودين في سوريا والأردن وتركيا قد يرغبون في الانضمام إليهم. ويشير المؤلف هنا أيضا إلى طلب وجهة الشركس بتاريخ 21 مايو 2005 إلى «منظمة الأمم والشعوب التي لا تمثيل لها» وإلى الكونغرس الأميركي من أجل الاعتراف ب«المجزرة التي ارتكبها الروس في القرن التاسع عشر ضد شعبهم».

وكان «الابخازيون» الذين يسكنون الجبال العالية المطلّة على البحر الأسود قد شهدوا العديد من الغزاة في تاريخهم من يونانيين ورومان وبيزنطيين ومنغول وفرس وأخيرا الروس.

وكانت جورجيا وابخازيا قد وقعت عام 1921 معاهدة بينهما بحيث اعترفت كل منهما بالأخرى على أساس أنها جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. لكن أصبحت ابخازيا تحت رقابة جورجيا عام 1931 عندما أصبحت جمهورية «مستقلة ذاتيا» وحيث مورست سياسة «دمج» قسرية لتظهر فيما بعد عام 1970 حركة انفصالية «ابخازية».

ثم قامت بعد انهيار جدار برلين عام 1989 سلسلة من الانتفاضات المسلحة ضد «المحتل الجورجي» وتحولت بعد ذلك إلى حرب حقيقية. وعرف النزاع حدة كبيرة في صيف عام 1992 عندما هاجم المتمردون «الابخازيون» المباني الرسمية وطالبوا باستقلال بلادهم. ويؤكد المؤلف أن الروس لم يساهموا أبدا في منع تدهور الوضع أكثر بل على العكس قاموا بدعم عسكري للابخازيين. واضطر آلاف الجورجيين الذين كانوا قد أقاموا في ابخازيا منذ عدة أجيال إلى الهرب منها.

كذلك جرى خرق جميع اتفاقيات إطلاق النار الموقعة بعد ذلك بين الطرفين. ولم يجد النزاع أي حل نهائي حتى الآن وذلك يعود جزئيا إلى مسألة عودة «اللاجئين» الجورجيين إلى منازلهم التي كانوا قد غادروها.

وتبقى الحالة الشيشانية هي الأكثر اشتعالا خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد المؤلف على أن الشيشان يختلفون عن الشراكسة، ذلك أن هؤلاء يؤكدون على «التراتبية» في مجتمعهم بينما يؤكد الشيشان على أنهم «متساوون» جميعا وأنهم «أحرار» بشكل كامل. ثم إن علم الجمهورية الشيشانية الذي أوجده الجنرال دوداييف يحمل صورة حيوان، وهذا الحيوان «ليس حملا وإنما ذئبا».

وهذا ما يسوق به المؤلف التفسير التالي كما قيل له وهو «أن الذئب لا يستطيع العيش إلا إذا كان حرّا ومن المستحيل أيضا ترويضه. إنه حيوان شجاع، وهو متعلق جدا بأرضه».

وكان «الانغوشيون» هم أول شعوب القوقاز، إلى جانب الاوستييين، الذين خضعوا للروس حيث كانوا قد أعلنوا ولاءهم منذ عام 1769 لإمبراطورة روسيا كاترين الثانية. ثم اقتربوا أكثر من الروس عند توقيع معاهدة سلام عام 1773 بين قيصر روسيا والسلطان التركي، مقابل تقديم الحماية لهم. لكن هذا لم يمنع انتفاضاتهم لاحقا، وهي انتفاضات توزع «الانغوشيين» حيالها بين مؤيد للسلام مع روسيا ومؤيد للتمرد ضدها.

وحاول الروس، من جانبهم، تأمين ولاء وإخلاص الزعماء الأنغوشيين عبر سياسة الترغيب والترهيب. ويعود المؤلف في القسم الثاني، ذي الصفحات القليلة، إلى تحليل علاقة روسيا مع شعوب القوقاز منذ «الاتصالات الأولى» وحتى الاحتلال. كما يولي أهمية خاصة لشرح المقاومة التي أبداها أهل القوقاز بقيادة زعماء أصبحت لهم شهرتهم في سجل التاريخ من أمثال «الشيخ منصور» في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أو «النسر الأسود» كما أطلق عليه أنصاره والذي استطاع أن يجمع تحت قيادته مسلمي شمال القوقاز من شيشان وقبائل واغستان وتتار وشركس...

وفي المحصلة يتحدث هذا الكتاب عن الحقب واللحظات الأكثر مأساوية في تاريخ القوقاز الحديث، ولا شك أنه يساعد كثيرا في فهم النزاعات الحالية في هذه المنطقة من العالم.

* الكتاب: القوقازيون أصول حرب لا نهاية لها

*الناشر: انفوليو ـ باريس 2006

*الصفحات: 159 صفحة من القطع الصغير

Les Caucasiens

aux origines d'une guerre sans fin

Alexandre Grigoriantz

Infolio - Paris 2006

p.159