يقول الروائي البريطاني فريدريك فورسايث: «قادت نهاية الحرب الباردة في 1991 إلى الافتراض الأحمق السائد بين السياسيين على ساحلي الأطلسي بأن السلام قد حل وأنه سيبقى».
لكن هذا الاعتقاد هو نفسه الذي قاد فورسايث إلى إعلان تقاعده من كتابة روايات الإثارة والحركة لأن العصر لم يعد يتيح موضوعاً يجتذب الاهتمام. لقد عاد، بالطبع، إلى ساحته المفضلة. والأمر كما يقول: «كانت تلك على وجه الدقة اللحظة التي كانت الحرب الباردة الجديدة، الصامتة والمحتجبة في أعماق الجماعات المتطرفة، تعاني آلام المخاض».
هكذا فإنه في رواية فورسايث الجديدة الصادرة مؤخراً بعنوان «الأفغاني» يخرج مايك مارتن، الذي يعرفه قراء فورسايث من إطلالته في رواية «قبضة الرب»، من تقاعده بدوره، حيث إن أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية قد علمت بأمر عملية وشيكة تعد لها منظمة على غرار تنظيم القاعدة من دون أن تعرف على وجه الدقة مكان الضربة المقبلة أو هدفها أو زمانها، وهي الضربة التي ساد الاعتقاد بأنها من الأهمية والخطورة بحيث تقزم أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
والحل الذي وصلت إليه هذه الأجهزة هو دفع أحد عناصرها للتسلل إلى صفوف هذه المنظمة لكشف أسرار العملية المقبلة، ويساعد تعليم مايك مارتن ومظهره وسجله في خدمة القوات الخاصة على ترشيحه لهذه المهمة الخطرة والصعبة إلى حد الاستحالة.
معظم الوقت يظل مارتن بعيداً عن خشبة المسرح، بينما يدور رجال الأجهزة حول أنفسهم متسائلين أين عساه يكون. وبدوره يتساءل القراء إلى أين تمضي مسيرة الرواية، ولكن عندئذ تتخذ حبكة الرواية شكلاً رائعاً، بكل التفاصيل الدقيقة التي ينسجها فورسايث، بما في ذلك عناصر التمويل والشحن والاتصالات التي تشكل الجانب الأكثر أهمية في نشاط المنظمات.
هكذا يجد القارئ نفسه حيال رواية مبتكرة، ينسجها فورسايث ببلاغة وبقدرة مدهشة على اجتذاب القارئ ليتابع أحداثها بأنفاس لاهثة. ولما كان فورسايث أحد عمالقة رواية الاثارة والحركة، فإننا نجده في هذه الرواية يكتب نثراً رشيقاً، بأسلوب أقرب إلى أسلوب المراسلين الذي يجعل القصص التي يرويها تعطي الإحساس بأنها واقعية كأي شيء يطالعه القراء في الصحيفة اليومية.
وهو قد وضع المستوى الذي ينبغي أن تكون عنده رواية الإثارة والحركة المتألقة في عام 1971 عبر إطلاقه رواية «يوم ابن آوى» وعلى الرغم من أن له حشداً كبيراً من المنافسين اليوم، فإنه ما من أحد غيره قد أفلح في تحقيق الرحابة النابعة من الأسلوب التوثيقي كأداة فعالة في توليد التوتر. ولابد من التسليم بأن اسم فورسايث لم يعد يجتذب الحشود، التي كان يجتذبها في الماضي، ولكن هذه الرواية تستحق اهتمام من قرأوا أعمال مبدعي روايات الجاسوسية الحديثة من أمثال دانييل سيلفا وديفيد بيت.
وتلفت «ببلشرز ويكلي» نظرنا إلى جانب بالغ الأهمية، عندما تشير إلى أن فورسايث يكتب كما لو كان يعد لفيلم أو لمسلسل قصير، فتركيزه متعدد الأبعاد على الشخصيات والمشاهد يمهد الطريق لسينما الإثارة والحركة وللتعمق في القراءة، ولكن في صياغة سمعية لما يقدمه فإن حشوداً من الأسماء الأفغانية والعربية والباكستانية والبريطانية والإندونيسية وغيرها يمكن أن تتسبب في فوضى لا نهاية لها، ولكن ما إن تستقر الشخصيات والسفن والأماكن في مواضعها حتى يغدو من اليسير تتبع السرد، على الرغم من عشق فورسايث للتفاصيل الدقيقة.
في هذه الرواية، كما في روايات فورسايث السابقة، فإن العالم كما نراه اليوم يبدو لنا مكاناً مخيفاً. وفي هذه الرواية أيضاً، فإن الشخصية المحورية هي شخصية جديرة بالتوقف عندها، وهي هنا شخصية الأفغاني عصمت خان، أو الكولونيل مايك مارتن، المحارب القديم في القوات البريطانية الخاصة، الذي انتقل عبر مناطق الحرب حول العالم على امتداد خمسة وعشرين عاماً، والذي يبدو رجلاً نحيلاً، شاحباً، لكنه وراء هذا المظهر يخفي إرادة حديدية وقدرة على الحركة والتأثير في الأحداث.
هذا الرجل الذي ولد في العراق، وتلقى تعليماً يجمع بين أفضل ما في الشرق والغرب سيقتضي زرعه في الصفوف القيادية للتنظيم الغامض إعداداً فذا وحظاً مذهلاً، لأنه ما من شيء يمكنه أن يؤهل مارتن حقاً لولوج هذا العالم الخطر الحافل بالمفاجآت والمنعطفات الغامضة والذي يعد الموت فيه أهون العواقب.
من هذا المدخل سيمضى القاريء مسرعاً إلى دراما مذهلة وتفاصيل لا متناهية في امتدادها، تتكامل لتقدم دليلاً جديداً على اقتدار فورسايث كأحد أبرز مبدعي روايات التشويق في عصمحطات في مسيرة فورسايث
* ولد الروائي البريطاني فردريك فورسايث في أغسطس 1938 في أشفورد في كنت بانجلترا، وتلقى تعليمه في مدرسة توبردج ثم في جامعة جرانادا باسبانيا.
* بدأ مسيرته العملية باعتباره واحداً من أصغر طياري سلاح الطيران الملكي البريطاني في التاسعة عشرة من عمره، وخدم في الفترة الممتدة من 1956 إلى 1958. وعمل في السنوات الثلاث التي أعقبت ذلك مراسلاً للإيسترن ديلي برس في نورفولك قبل العمل مراسلاً لوكالة رويترز عام 1961 في باريس أولا ثم في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وهو ما أتاح له الحصول على حشد هائل من المعلومات لكتبه الأولى.
* عاد إلى لندن في 1956 وعمل مراسلاً للراديو والتلفزيون في هيئة الإذاعة البريطانية، وغطى باعتباره مراسلاً دبلوماسياً مساعداً الجانب البيافري من حرب بيافرا ـ نيجيريا في الفترة من يوليو إلى سبتمبر 1967 الأمر الذي عرفه بتفاصيل دقيقة في الحياة السياسية الدولية وعالم الجنود المرتزقة.
* في عام 1968 ترك هيئة الإذاعة البريطانية ليعود إلى بيافرا ويغطي وقائع الحرب مراسلاً حراً في البداية ثم في وقت لاحق لحساب «ديلي إكسبريس» و«تايم».
* في عام 1970، وبعد تسع سنوات من العمل المحموم في الصحافة، قرر تأليف كتاب باستخدام الأساليب التي تعلمها من خلال عمله في الصحافة، وأصبح هذا العمل الذي حمل عنوان «يوم ابن آوى» قصة نجاح فورية، وشكل الانطلاقة القوية نحو إبداع وصل إلى ست عشرة رواية أحدثها «الأفغاني» الصادرة مؤخراً.رنا.
* الكتاب: الأفغاني
*الناشر: بانتام ـ لندن 2006
*الصفحات: 500 صفحة من القطع المتوسط
The Afghan
Frederick Forsyth
Bantam London 2006
p.500
