عبد الكريم أبا زيد من مواليد درعا بجنوب سوريا عام 1934، حاصل على شهادة الماجستير في الاقتصاد السياسي من جامعة موسكو 1971، عضو اتحاد الكتاب العرب (جمعية الترجمة)، انتسب إلى الحزب الشيوعي عام 1953، وسُجن بسببه في سجن المزة بين عامي 1959 و1961.

عمل في هيئة تخطيط الدولة حتى سن التقاعد. له كتاب من تأليفه بعنوان «شر البلية» صدر سنة 1994، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات الساخرة التي كان يكتبها على شكل زاوية أسبوعية في مجلة «إلى الأمام» التي تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، وجريدة «نضال الشعب» التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري.

وترجم «أبا زيد» عن الروسية كتباً مهمة، هي: «فعالية توظيف رؤوس الأموال» لمجموعة من المؤلفين الاقتصاديين السوفييت 1988. «دروس الحياة» لزوجانوف الأمين العام للحزب الشيوعي الروسي صدر سنة 1999. «الأكراد بين القرنين السابع والعاشر الميلادي حسب المصادر العربية» للكاتب الأرميني أرشاك بولاديان صدر سنة 1991. «روسيا مرة ثانية في الظلام» للكاتب كاف ديميريشيان 2003.

إن المقالات التي تؤلف بمجموعها الكتاب الذي نحن بصدده، نشرت في أواخر الثمانينات إبان انهيار الاتحاد السوفييتي في صحيفة (العرب اليوم) الأردنية، أي أن الكاتب لم ينتظر كل هذه السنين ليبدي رأيه بما حصل. ولا ريب في أنه أحسن صنعاً حينما سعى إلى جمعها ضمن هذا الكتاب، مع مقدمة بقلم د. طيب تيزيني، فهو كتاب ضروري للمكتبة الاقتصادية السياسية العربية، باعتبار أن انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يكن حدثاً عادياً، بل إنه زلزال قلب كيان العالم، وخلخل توازناته السابقة.

يقدم عبد الكريم أبا زيد- بحسب تعبير د. تيزيني في مقدمة الكتاب- حالة طريفة من الكتابة الأدبية السياسية، والملاحظات الواردة فيه فات أوانها بالمعنى الزمني للعبارة فقط، وأما بالمعنى الواسع فإن «أوانها» قد انفتح أكثر وأكثر في سياق تعاظم المهمات التاريخية التي تواجهها القوى الحية مع استفحال مظاهر الاستغلال الطبقي والاضطهاد الوطني والقومي من طرف الإمبريالية العولمية والصهيونية الجديدة.

إن عنصر الطرافة الأبرز في هذه الكتابة هو أن المؤلف (أبا زيد) الذي كان شيوعياً (شبه متدين بالماركسية اللينينية)، قد أخذ يكتشف جوانب العطب والخلل وبوادر انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الملحقة به عياناً مذ كان طالباً يدرس الاقتصاد في موسكو أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي. وبالتالي هو يستطيع أن يُشفق على الفئة من الباحثين التي تقول إن انهيار الاتحاد السوفييتي هو نتيجة مؤامرة خارجية!!

لأن عامل المؤامرة ليس موجوداً في تعاليم ماركس وانجلز ولينين، ولا حتى في أفكار ستالين التي عرضها في المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية، بل يمكن الإجابة عن هذه الفكرة بطريقة معكوسة، ومبسطة، هي التالية: ترى لو تغلغلت أجهزة المخابرات السوفييتية في جهاز الحكم في الولايات المتحدة، واستطاعت شراء الرئيس وقائد جيشه ورئيس مخابراته ووزير خارجيته ومعهم مئات آخرون، هل يمكن بواسطتهم تحويل أميركا إلى دولة شيوعية طبقاً لنظرية المؤامرة؟

إن الشخص الذي استطاع أن يفتح ثغرة في عقل مؤلف الكتاب، ويحوله من رجل شبه متدين بالشيوعية إلى رجل متفهم ومتعمق بمعرفة عوامل الانهيار هو الدكتور قسطنطين سيرجيفيتش الذي كان يدرسه مادة التخطيط الصناعي بجامعة موسكو، فقد كان لدى سيرجيفيتش أفكار خطيرة لم يكن يجاهر بها كلها في الجامعة،

بل كان يأتي إلى منزله عدد من الطلاب المتنورين، من بينهم أبا زيد (الأجنبي الوحيد الذي كانوا يثقون به)، وأبا زيد بدوره كان ينظر إلى سيرجيفيتش بارتياب، ويعتبره معادياً للشيوعية، وكان يسجل أفكاره على ورقة، بقصد أن يرد عليها لاحقاً، ولكن الطريف في الأمر أنه اكتشف لاحقاً أن آراء سيرجيفيتش معظمها صائبة إلى حدود الإيلام.

كان المجتمع السوفييتي قد شرع يتحدث اعتباراً من منتصف الستينات عن الثورة العلمية التكنولوجية وضرورة تطبيقها في ميدان الإنتاج، تزامن ذلك مع إصلاحات ألكسي كوسيجين الاقتصادية، وكان سيرجيفيتش من المتحمسين جداً لتحديث الإنتاج، ولكنه كان متشائماً، يبني تشاؤمه على أسس علمية، فيقول:

سنكتب عن الثورة العلمية التكنولوجية أكثر من الغرب، بيد أن الغرب هو الذي سيطبقها، نحن لدينا اختراعات أكثر من الغرب، ولكن المهم هو تطبيقها في مجال الإنتاج. إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للرأسمالي، فهناك كل من يتخلف يموت اقتصادياً، ولهذا نرى مئات الشركات تفلس، أما عندنا فالأمر مختلف. المعمل الخاسر نعوض له من ميزانية الدولة، والعامل في معمل رابح يتقاضى نفس أجر العامل في معمل خاسر.

البيروقراطي بطبيعته ضد التجديد. (إلا في مجال تجديد أثاث مكتبه!). المسألة تحتاج إلى ثورة في أسلوب الإدارة، وإلى ديمقراطية في إدارة الإنتاج، وديمقراطية في المجتمع. (العبارة الأخيرة قالها في منزله، لأنه لم يكن ليجرؤ على المجاهرة بها أمام الطلاب).

إن الحديث عن الديمقراطية في المجتمع تشكل في هذا الكتاب بيت القصيد، وغاية المنتهى، وقد صاغ الدكتور طيب تيزيني هذه الفكرة على نحو نظري إذ قال في المقدمة بأن المجتمع السوفييتي قد قمع الحوارات والسجالات والاختلافات السياسية التي كانت تظهر، أو تطل برأسها، بحجة الخوف من أن تؤدي هذه الخلافات بالدولة الجديدة،

وبحجة الغزو الخارجي الذي حصل فعلاً في الحرب العالمية الثانية، وهذا بدوره ابتلع ببطء اتجاهات النقد السياسي والايديولوجي والتنظيمي، فاختُزل المجتمع السوفييتي الهائل في تعدديته إلى الحزب الشيوعي السوفييتي، واختزل الحزب إلى اللجنة المركزية، واختزلت اللجنة إلى المكتب السياسي الذي يتربع على قمته أمين عام تنتهي ولايته إما مع موته الطبيعي، وإما مع حركة انقلابية مؤسسة على ثنائية (الاستقامة والانحراف)!

في الكتاب، إضافة للعاملين اللذين توقفنا عندهما (الاقتصادي والسياسي) شروح لكثير من الأسباب والعوامل الفرعية، وفيه مواقف وقصص ونوادر ممتعة، بقدر ما هي مفيدة، وأنا أعتقد أن هذا النوع من التأليف يلاقي قبولاً جيداً لدى القراء بسبب حياد المؤلف، وصدقه، وسهولة لغته، وتطلعه- فيما هو يكتب عن الماضي- نحو المستقبل.

خطيب بدلة

* الكتاب: ملاحظات فات أوانها حول بعض أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي

*الناشر: دار الينابيع ستوكهولم 2006

*الصفحات: 90 صفحة من القطع المتوسط